الشيخ خالد حسن يكتب: ( إن الله يحب المتطهربن )

الشيخ خالد حسن يكتب: ( إن الله يحب المتطهربن )
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..
حثَّ الإسلامُ على نظافةِ البيئةِ وجمالِها ونضرتِها والعنايةِ الفائقةِ بها، واعتبرَها من صميمِ رسالتِه؛ وذلك لأنَّ أثرَها عميقٌ في تزكيةِ النفسِ وتمكينِ الإنسانِ من النهوضِ بأعباءِ الحياةِ، كما اهتمَّ الإسلامُ بنظافةِ الأجسامِ اهتمامًا كبيرًا، وقد بيّن رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ الرجلَ الحريصَ على نضارةِ بدنِه، ووضاءةِ وجهِه، ونظافةِ أعضائِه يُبعثُ على حالِه تلك يومَ القيامةِ، فعن أبي هريرةَ قال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: “إنَّ أُمتي يُدعونَ يومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلينَ من آثارِ الوضوءِ، فمنِ استطاع منكُم أن يُطيلَ غُرَّتهُ فلْيفعل” (البخاري).
إنَّ كثيرًا من الناسِ يظنّون أنَّ الدينَ الإسلاميَّ ليس له علاقةٌ بالنظافةِ، وهذا ما اعتقده مشركو العربِ؛ بل وتعجّبوا من ذلك متسائلين، فعن سلمانَ قال: قال له بعضُ المشركين وهم يستهزئون به: إنّي أرى صاحبَكم يعلّمكم كلَّ شيءٍ حتى الخراءةَ؟ قال: “أجل، أمرنا أن لا نستقبلَ القبلةَ، وأن لا نستنجِيَ بأيمانِنا، ولا نكتفيَ بدونِ ثلاثةِ أحجارٍ، ليس فيها رجيعٌ ولا عظمٌ” (ابن ماجة). بل جعل الإسلامُ الطهارةَ والنظافةَ جزءًا من الإيمانِ، ففي صحيح مسلم عن أبي مالكٍ الأشعريِّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: “الطهورُ شطرُ الإيمان”.
ومظاهرُ النظافةِ في الإسلامِ كثيرةٌ ومتعدّدةٌ منها:
نظافةُ الرأسِ والأسنانِ والفمِ: وهي من السننِ المؤكّدةِ، فعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ عند كلِّ صلاةٍ” (الشيخان). وكذلك تمشيطُ الشعرِ وحلقُه، كلُّ ذلك يضفي على المؤمنِ حسنَ الشكلِ والمظهرِ، فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ ﷺ قال: “مَن كان له شعرٌ فليكرمْه”.(أبوداود).
ومنها: نظافةُ البيوتِ والأفنيةِ والمساجدِ ونظافةُ الأماكنِ العامةِ والطرقاتِ: وذلك بتنظيفِها من كلِّ الأقذارِ والأخباثِ التي يسوءُ منظرُها، فعن سعيدِ بنِ المسيبِ مرسلًا قال ﷺ: “إنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نظيفٌ يُحِبُّ النظافةَ، كريمٌ يُحِبُّ الكرمَ، جَوادٌ يُحِبُّ الجُودَ؛ فنظِّفوا أفنيتَكم؛ ولا تشبَّهوا باليهودِ” (الترمذي).
وعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه عن النبيِّ ﷺ قال: (الإيمانُ بضعٌ وسبعون – أو بضعٌ وستون – شعبةً، فأفضلُها قولُ لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ) (متفق عليه).
ومنها: نظافةُ الثيابِ والتخلّصُ من الروائحِ الكريهةِ: ففي صحيحِ مسلم قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ». وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال: “مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ” (مسلم).
ومنها: نظافةُ البدنِ وغسلُه: فقد أُمِر المسلمُ بالغسلِ يومَ الجمعةِ، حتى عُبِّر عنه في بعضِ الأحاديثِ بلفظة (واجب)، فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: ”غُسْلُ يومِ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ” (الشيخان).
ومنها: الاهتمامُ بسننِ الفطرةِ: وتكملةً لذلك جاءت الأحاديثُ بما عُرف باسم (سننِ الفطرةِ) التي تدلُّ على مدى حرصِ الإنسانِ على النظافةِ والتجمّلِ. فعن عائشةَ قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ”عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالاِسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي الاِسْتِنْجَاءَ. قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ.” (مسلم).
ومنها: نظافةُ الطعامِ والشرابِ: فقد حثّت السنةُ على نظافةِ الطعامِ والشرابِ وحمايتِهما من التلوثِ، فعن جابرٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ”أَغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، وَأَوْكُوا أَسْقِيَتَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَلَا يَكْشِفُ غِطَاءً، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً.” (مسلم).
ومنها: نظافةُ المياهِ: وذلك بالمحافظةِ على تنقيتِها وطهارتِها، وعدمِ إلقاءِ القاذوراتِ والمخلفاتِ فيها، باعتبارِ أنَّ الماءَ أساسُ الحياةِ، وقد جاءت أوامرُه ﷺ ناهيةً عن أن يُبالَ في الماءِ الراكدِ، فعن جابرٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ ”أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ” (مسلم). كما يشملُ النهيُ البولَ في الماءِ الجاري وفي أماكنِ الظلِّ باعتبارِها أماكنَ يركنُ إليها المارّةُ للراحةِ من وعثاءِ السفرِ، وربما لأنَّ الشمسَ لا تدخلُها فلا تتطهرُ فتصبحُ محطَّ الأوبئةِ وموضعَ الأمراضِ، وفي الحديثِ: ”لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ”
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا