الشيخ خالد حسن يكتب: السنة النبوية رائدة الإبداع والابتكار

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..
لقدْ حثنا الشارعُ الحكيمُ على التفكرِ والتدبرِ والابتكارِ وإعمالِ العقلِ، وجاءتْ آياتٌ تترى من القرآنِ الكريمِ تحثُّنا على التفكرِ والتدبرِ والتعقلِ والإبداعِ. قالَ تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمدٍ: ٢٤]، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعدِ: ٣]. وقالَ جلَّ شأنُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعدِ: ٤]. إن ذلك ليس فحسب ، فكانَ ﷺ يشجعُ على الابتكارِ، ولهذا تركَ النبيُّ ﷺ الأمرَ للصحابةِ في قضيةِ تأبيرِ النخلِ لما علمَ خبرتهم وكفاءتهم في ذلك؛ فعن أنسٍ أن النبيَّ ﷺ مرَّ بقومٍ يلقحُونَ. فقالَ: «لو لم تفعلوا لصلحَ». قالَ: فخرجَ شيصًا؛ فمرَّ بهم فقالَ: «ما لنخلكم؟!». قالوا: قلتَ كذا وكذا. قالَ: «أنتم أعلمُ بأمورِ دنياكم» وعلى أساسِ المواهبِ والقدراتِ والابتكارِ صنَّفَ الرسولُ ﷺ الصحابةَ حسبَ تخصصاتِهِمْ ومواهبِهِمْ واتجاهاتِهِمْ وابتكارِهِمْ وإبداعِهِمْ وطاقاتِهِمْ في كلِّ مجالاتِ الحياةِ. فعن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكرٍ، وأشدهم في دينِ اللهِ عمرُ، وأصدقهم حياءً عثمانُ، وأقضاهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأقرؤهم لكتابِ اللهِ أبيُّ بنُ كعبٍ، وأعلمهم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ، وأفرضهم زيدُ بنُ ثابتٍ، ألا وإنَّ لكلِّ أمةٍ أمينًا، وأمينُ هذه الأمةِ أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ» ولقد تنوعتْ الأساليبُ التعليميةُ والتربويةُ والدعويةُ المبتكرةُ في مدرسة الحبيبِ محمدٍ ﷺ, وذلك حسبِ مقتضى الحالِ والأشخاصِ والزمانِ والمكانِ, ومن هذه الأساليبِ:
= أسلوبُ الرفقِ واللينِ: فعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ أعرَابِّيٌ فَبَالَ في الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ” دَعُوهُ وَهَرِيْقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ “. (البخاري). قال النوويٌّ: ” فيه الرّفقُ بالجاهلِ، وتعليمُهُ ما يلزمُهُ من غيرِ تعنيفٍ ولا إيذاءٍ، إذا لم يأتِ بالمخالفةِ استخفافًا أو عنادًا، وفيه دفعُ أعظمِ الضررين باحتمالِ أخفهمَا”.
= الأسلوبُ العاطفيُّ : فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إنَّ فَتًى شابًّا أتى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، ائْذَنْ لي بالزِّنا، فأقبَلَ القَومُ عليه فزَجَروه وقالوا: مَهْ، مَهْ! فقال: ادْنُهْ، فدَنا منه قَريبًا، قال: فجَلَسَ، قال: أتُحِبُّه لأُمِّكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأُمَّهاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لابنتِكَ؟ قال: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لبَناتِهم، قال: أفتُحِبُّه لأُختِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأَخَواتِهم، قال: أفتُحِبُّه لعَمَّتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لعَمَّاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لخالتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لخالاتِهم، قال: فوَضَعَ يدَه عليه وقال: اللَّهُمَّ اغفِرْ ذَنبَه، وطَهِّرْ قَلبَه، وحَصِّنْ فَرْجَه، قال: فلمْ يَكُنْ بعدَ ذلك الفَتى يَلتفِتُ إلى شيءٍ.
= أسلوبُ التوبيخِ: فهذا أبو ذر عيَّرَ رجلًا بأمهِ فقال له النبيُّ ﷺ: “يا أبَا ذَرٍّ أعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ؟ إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ” (البخاري). وهذا يدلُّ على مشروعيةِ التأديبِ بالتوبيخِ، يقولُ الإمامُ ابنُ حجرٍ: “وجهُ الاستدلالِ من الحديثِ على مشروعيةِ التأديبِ بالتوبيخ: أنّ النبيَّ ﷺ عذلَ أبا ذرٍ رضي الله عنه وأدبَهُ باللومِ والتأنيبِ، بقولِهِ: (إنك امرؤٌ فيك جاهليةٌ)، لأجلِ مقالتهِ للرجلِ، وتعييرِه إياهُ بأمهِ، فدلَّ ذلك على جواز مثلِ هذا النوعِ من التأديبِ”
= أسلوبُ تحفيزِ الأذهانِ بالسؤالِ: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:” أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”
= أسلوبُ استخدامِ لغةِ الأرقامِ: فعَن أبي كبشةَ الأنماريِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ” ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ. فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: فَإِنَّهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ؛ وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا ؛ وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ .”.
هذه هي الأساليبُ العلميةُ والتربويةُ والدعويةُ المبتكرةُ في مدرسةِ الحبيبِ محمدٍ ﷺ؛ وحريٌّ بالمعلمين والمعلماتِ والآباءِ والأمهاتِ ومَن يتولى هذه المهمةَ الشريفةَ، أنْ يقتفِيَ أثرَهُ ويهتدِيَ بهديهِ ﷺ ؛ ففيه الخيرُ كلُّ الخيرِ.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.




