كوتش منال عبد العليم : الصدق مع النفس اصعب درجات الشجاعه
🌿 أصعب أنواع الشجاعة.. أن تكون صادقًا مع نفسك!

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى شجاعة الدفاع عن مبادئه بقدر ما يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأنه لم يكن متمسكًا بها كما كان يظن، وأن بعض المبادئ ظلت ثابتة فقط ما دامت لا تتعارض مع مصالحه الشخصية!
فنحن أحيانًا نرفض تصرفًا حين نكون ضحاياه، ثم نبحث له عن عشرات المبررات حين نكون أصحابه. ونستنكر امتيازًا حصل عليه غيرنا، ثم نراه حقًا مشروعًا حين يصبح من نصيبنا. نطالب بالعدل عندما نُظلم، لكن هل نتمسك به بالقدر نفسه عندما تكون مصلحتنا في غير ذلك؟
في واقع الحياة، قد نلوم شخصًا لأنه تجاوز دوره، ثم نبرر لأنفسنا تجاوز الأدوار بحجة أننا نستحق أكثر. وقد نستنكر المحاباة عندما يستفيد منها الآخرون، ثم نصمت عنها أو نقبلها عندما تخدم مصالحنا. وقد نطالب الآخرين بالوضوح والصدق، بينما نمنح أنفسنا حق إخفاء الحقيقة أو تجميلها حين لا تناسبنا!
وهنا تظهر حقيقة المبادئ؛ فالمبدأ ليس ما نعلنه بألسنتنا، بل ما نلتزم به عندما يكون الالتزام به مكلفًا، وليس ما نطالب به الآخرين، بل ما نطبقه على أنفسنا قبل أن نحاسبهم عليه.
وقد وضعنا القرآن أمام ميزان واضح لا يتغير بتغير المصالح والمواقف، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾
[النساء: 135]
وتأمل عظمة المعنى؛ أن تكون عادلًا حتى عندما تكون الحقيقة ضد مصلحتك، وأن تنصف غيرك حتى لو كان إنصافه على حسابك!
وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]
فلا تجعل حبك لشخص أو كراهيتك لآخر يغير ميزان الحق، ولا تسمح لمصلحتك أن تعيد تعريف الصواب والخطأ.
ومن هدي النبي ﷺ قوله:
«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فقالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه».
[صحيح البخاري]
أي أن المحبة الحقيقية لا تعني تبرير الخطأ، وأن الوقوف بجانب من نحب لا يكون بالتستر على ظلمه، بل بمساعدته على التراجع عنه.
تذكّر دائمًا:
ليس العيب أن تكتشف أنك أخطأت في موقف، أو أنك لم تكن منصفًا كما اعتقدت، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، لكن العيب أن تعرف الحقيقة ثم تصر على تبريرها لأن الاعتراف بها لا يخدم مصلحتك.
الشخصية الناضجة ليست التي لا تخطئ، بل التي تملك الشجاعة لمراجعة نفسها، والاعتراف بتناقضاتها، وتصحيح مسارها دون مكابرة أو تبرير.
فالمبادئ الحقيقية لا تتغير بتغير مواقعنا من الأحداث، والعدل لا يتجزأ بحسب من نحب ومن نكره، والحق لا يصبح باطلًا لأنه لا يناسبنا، ولا يتحول الباطل إلى حق لمجرد أننا المستفيدون منه.
وفي النهاية…
قبل أن تحكم على موقف غيرك، تخيل أنك مكانه، وقبل أن تبحث عن مبررات لنفسك، اسألها: هل كنت سأقبل هذا التصرف لو صدر من شخص آخر؟
فربما لا تكشف أخلاق الإنسان حقيقة مبادئه عندما تكون الأمور في صالحه، بل تكشفها اللحظة التي تتعارض فيها المبادئ مع مصالحه.
فالمبدأ الحقيقي لا يتبدل بتبدل موقعنا من الحكاية… وإنما يظهر معدنه حين تكون مصلحتنا في الاتجاه الآخر! 🌿

✍️ كوتش / منال السيد عبد العليم