الشيخ خالد حسن يكتب : وسائلُ حمايةِ الأطفالِ من خطورةِ الألعابِ الإلكترونيةِ

الشيخ خالد حسن يكتب : وسائلُ حمايةِ الأطفالِ من خطورةِ الألعابِ الإلكترونيةِ
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد..
خلقُ اللهِ تعالى النفسَ البشريةَ، وشرعَ لها الأوامرَ والنواهيَ متمثلةً في الحلالِ والحرامِ، وبما أنَّ النفسَ ملولٌ، فقد شرعَ لها الترويحَ في حدودِ الضوابطِ الشرعيةِ، لما في الترويحِ من الفوائدِ للنفسِ البشريةِ. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ». (مسلم). والحصباءُ: الحصى الصغيرةُ، قال ابنُ بطالٍ: “هذا اللعبُ بالحرابِ هو سنةٌ ليكونَ ذلك عدةً للقاءِ العدوِّ، وليتدربَ الناسُ فيه، ولم يعلمْ عمرُ معنى ذلك حين حصبهم، حتى قالَ له النبيُّ ﷺ: (دعهم). وفيه من الفقهِ: أنَّ من تأولَ خطأً لا لومَ عليه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يوبخْ عمرَ على ذلك؛ إذ كان متأولًا. وفيه: جوازُ مثلِ هذا اللعبِ في المسجدِ؛ إذ كان مما يشملُ الناسَ نفعُه”.
هناكَ عدّةُ وسائلَ لحمايةِ الأطفالِ من خطورةِ الألعاب الإلكترونية، منها:
التوجيهُ والتعليمُ والتربيةُ: فالأطفالُ يحتاجونَ إلى توجيهٍ وتعليمٍ وتربيةٍ ومجاهدةٍ. يقولُ الإمامُ الغزاليُّ رحمهُ اللهُ: “اعلم أنَّ الطريقَ في رياضةِ الصبيانِ من أهمِّ الأمورِ وأوكدِها، والصبيُّ أمانةٌ عندَ والديه، وقلبُهُ الطاهرُ جوهرةٌ نفيسةٌ ساذجةٌ خاليةٌ عن كلِّ نقشٍ وصورةٍ، وهو قابلٌ لكلِّ ما نُقِشَ ومائلٌ إلى كلِّ ما يُمالُ بهِ إليهِ، فإنْ عُوِّدَ الخيرَ وعلِّمَهُ نشأَ عليهِ وسعدَ في الدنيا والآخرةِ، وشاركهُ في ثوابِهِ أبوهُ وكلُّ معلِّمٍ لهُ ومؤدِّبٍ، وإنْ عُوِّدَ الشرَّ وأُهمِلَ إهمالَ البهائمِ شقيَ وهلكَ، وكانَ الوزرُ في رقبةِ القَيِّمِ عليهِ والوالي لهُ”. (إحياءُ علومِ الدينِ).
إنَّ للأسرةِ دورًا كبيرًا في رعايةِ الأولادِ منذُ ولادتِهم، وفي تشكيلِ أخلاقِهم وسلوكِهم، وما أجملَ العبارةَ: “إنَّ وراءَ كلِّ رجلٍ عظيمٍ أبوينِ مُربِّيَينِ”، وكما قيلَ: “الرجالُ لا يُولَدونَ بل يُصنَعُونَ”.
ومنها: اتباعُ المنهجِ النبويِّ في التربيةِ والتعليمِ: فقدْ ضربَ النبيُّ ﷺ لنا المثلَ والقدوةَ في التربيةِ، فعنِ ابنِ عباسٍ قالَ: كنتُ خلفَ رسولِ اللهِ ﷺ يومًا فقالَ: “يا غلامُ، إني أعلِّمُكَ كلماتٍ: احفظِ اللهَ يحفظْكَ، احفظِ اللهَ تجدْهُ تُجاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوكَ بشيءٍ، لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ لكَ، وإنِ اجتمعوا على أن يضرّوكَ بشيءٍ لم يضرّوكَ إلا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفّتِ الصُّحفُ” (أحمد والترمذي – حديثٌ حسنٌ صحيحٌ).
وعن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ يقولُ: كنتُ غلامًا في حجرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وكانتْ يدي تطيشُ في الصَّحفةِ، فقالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ: “يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مما يليكَ”، قالَ: فما زالتْ تلكَ طِعمتي بعدُ. (البخاري).
إنَّ صلاحَ أولادِنا أن نغرسَ فيهم منهجَ نبيِّنا ﷺ في جميعِ شؤونِ الحياةِ، وذلكَ بتعليمِهم آدابَ الصلاةِ والصومِ والاستئذانِ، ودخولِ البيتِ وخروجِهِ، واحترامِ الكبيرِ وتوقيرِهِ، وغيرِ ذلكَ من الآدابِ الإسلاميةِ.
ومنها: تنظيمٌ وترتيبُ الوقتِ: فالطِّفلُ الذي يُنظِّمُ وقتَهُ، ويُحدِّدُ هدفَهُ، ويُرتِّبُ أولويّاتِهِ، يُصبِحُ أكثرَ إنجازًا من غيرِهِ، وأقربَ إلى التوفيقِ والسدادِ؛ وعندما تنظرُ في تاريخِ السابقينَ تجدُ أنَّهُم قد حرصوا على ترتيبِ الأوقاتِ؛ فكانوا يُسابقونَ الساعاتِ، ويُبادرونَ اللحظاتِ؛ فعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سابِطٍ، قالَ: “لمَّا حضرَ أبا بكرٍ الموتُ، دعا عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما فقالَ لهُ: اتَّقِ اللهَ يا عمرُ، واعلمْ أنَّ للهِ عملًا بالنَّهارِ لا يقبلُهُ باللَّيلِ، وعملًا باللَّيلِ لا يقبلُهُ بالنَّهارِ، وأنَّهُ لا يقبلُ نافلةً حتى تُؤدَّى الفريضةُ”. (حليةُ الأولياءِ للأصبهانيِّ).
ومنها: تنويعُ ما يُستغلُّ بهِ الوقتُ: فإنَّ النفسَ بطبيعتِها سريعةُ المَلَلِ، وتنفرُ من الشيءِ المكرَّرِ، وتنويعُ الأعمالِ يساعدُ النفسَ على استغلالِ أكبرَ قدرٍ ممكنٍ من الوقتِ. قالَ الإمامُ الغزاليُّ رحمهُ اللهُ: ” ترويحُ النفسِ وإيناسُها بالمجالسةِ، والنظرِ، والملاعبةِ، إراحةٌ للقلبِ، وتقويةٌ لهُ على العبادةِ؛ فإنَّ النفسَ ملولٌ، وهي عن الحقِّ نفورٌ؛ لأنَّه على خلافِ طبعِها، فلو كُلِّفَتِ المداومةَ بالإكراهِ على ما يُخالفُها جمحَتْ، وثابتْ، وإذا رُوِّحَتْ باللذاتِ في بعضِ الأوقاتِ، قويَتْ ونشطَتْ، وينبغي أنْ يكونَ لنفوسِ المتقينَ استراحاتٌ بالمباحاتِ، قالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ: “روحوا القلوبَ ساعةً، فإنها إذا أُكرهتْ عميتْ”. أ.هـ. (إحياءُ علومِ الدينِ).
وقال أيضًا: “وينبغي أن يؤذن له – أي الطفل – بعد الانصراف من الكتَّاب أن يلعب لعبًا جميلًا يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب، فإنَّ منع الصَّبيِّ من اللَّعب، وإرهاقه إلى التَّعلُّم دائمًا، يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغِّص عليه العيش حتَّى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا”. (إحياء علوم الدين).
ومنها: استشعارُ المسؤوليّةِ عن الأطفالِ يومَ القيامةِ: فالأبناءُ أمانةٌ، يُسألُ عنها العبدُ يومَ القيامةِ، فاتقوا اللهَ في أهليكُم وأزواجِكُم وأولادِكُم، فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».(متفقٌ عليه). وعن أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: “إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ».(النسائي وابن حبان بسندٍ صحيحٍ).
قالَ العلماءُ: ” الراعي هو الحافظُ المؤتمنُ، الملتزمُ صلاحَ ما قامَ عليه، وما هو تحتَ نظرِهِ، ففيهِ أنَّ كلَّ مَن كانَ تحتَ نظرِهِ شيءٌ فهو مطالبٌ بالعدلِ فيهِ، والقيامِ بمصالحِهِ في دينِهِ ودنياهُ ومتعلّقاتِهِ”. (شرحُ النوويِّ).
ومنها: غرسُ مراقبةِ اللهِ في نفوسِ الأطفالِ: فيجبُ أنْ نغرسَ في نفوسِ أبنائِنا مراقبةَ اللهِ، ويقظةَ الضميرِ الإنسانيِّ في جميعِ حركاتِنا وسكونِنا؛ قالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التستريُّ رحمهُ اللهُ: “كنتُ وأنا ابنُ ثلاثِ سنينَ أقومُ بالليلِ، فأنظرُ إلى صلاةِ خالي محمدِ بنِ سواءٍ، فقالَ لي يومًا: ألا تذكرُ اللهَ الذي خلقكَ؟ فقلتُ: كيفَ أذكرُهُ؟ قالَ: قلْ بقلبِكَ عندَ تقلّبِكَ في ثيابِكَ ثلاثَ مراتٍ من غيرِ أنْ تُحرّك بهِ لسانَكَ: اللهُ معي، اللهُ ناظرٌ إليَّ، اللهُ شاهدي. فقلتُ ذلكَ ليالي، ثمَّ أعلمتُهُ، فقالَ: قلْ في كلِّ ليلةٍ سبعَ مراتٍ، فقلتُ ذلكَ، ثمَّ أعلمتُهُ، فقالَ: قلْ ذلكَ كلَّ ليلةٍ إحدى عشرةَ مرةٍ، فقلتُهُ فوقعَ في قلبي حلاوتُهُ، فلمَّا كانَ بعدَ سنةٍ قالَ لي خالي: احفظْ ما علّمتُكَ، ودمْ عليهِ إلى أنْ تدخلَ القبرَ، فإنَّهُ ينفعُكَ في الدنيا والآخرةِ، فلم أزلْ على ذلكَ سنينَ، فوجدتُ لذلكَ حلاوةً في سرِّي، ثمَّ قالَ لي خالي يومًا: يا سهلُ، مَن كانَ اللهُ معهُ، وناظرًا إليهِ، وشاهدهُ، أيعصيهِ؟!”.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا