
الشيخ خالد حسن يكتب: ( القوة والأخذ بالأسباب ، أهم عوامل النصر )
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وبعد ..
إنَّ دينَنَا الإسلاميَّ دينُ القوةِ ، ولا غروَ في ذلك، فإنَّ القرآنَ نزلَ مِن عندِ ربٍّ ذيِ قوةٍ، عن طريقِ ملكٍ ذيِ قوةٍ، إلى نبيِّ ذيِ قوةٍ، لأمةٍ ذاتِ قوةٍ. قال تعالى عن نفسِه. {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (الذاريات: 58)، على أنَّ القوةَ والأخذَ بالأسبابِ متلازمانِ، فأنتَ مطالبٌ ببذلِ الأسبابِ، أمّا النتائجُ فإنّ مردَّها إلى اللهِ تعالى، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ…} [الأنفال: 60].وقالَ عن سفيرِ الوحيِ جبريلَ عليهِ السلامُ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}.(التكوير: 19 ، 20). كمَا أنَّ القوةَ صفةُ جميعِ الأنبياءِ والصالحين، فهذا موسَى عليهِ السلامُ أُمِرَ بأخذِ الألواحِ بقوةٍ. قالَ تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}. (الأعراف: 145)، وقالَ تعالَى عن يحيَ عليهِ السلامُ: { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}. (مريم: 12)، وأمرَ اللهُ بنيِ إسرائيلَ أنْ يأخذُوا الكتابَ بقوةٍ. فقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ }. (البقرة: 63). وهذا ذو القرنين يبنيِ السدَّ ويطلبُ العونَ بقوةٍ: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}. (الكهف: 95). وهكذَا كانتْ القوةُ والثباتُ مبدأً أصيلًا في دعوةِ الأنبياءِ جميعًا عليهمُ الصلاةُ والسلامُ. وها هو موسَى عليه السلام أمرَهُ ربُّهُ تبارك وتعالى أنْ يضربَ البحرَ بعصاه، فإذا بالبحرِ فرقتينِ كلّ فرقٍ كالطودِ العظيم، ولو شاءَ اللهُ أنْ يجعلَهُ كذلك مِن غيرِ ضربٍ بالعصَا لفعل، لكنهُ يُعلِّمُ أنبياءَهُ وعبادَهُ الأخذَ بالأسبابِ، وكذا ضربُهَ الحجرَ بالعصَا لينفجرَ منهُ اثنتَا عشرةَ عينًا، كل ُّهذا لتأخذَ الأسبابُ نصيبَهَا مِن حياةِ الإنسانِ!! لهذا أكَّدَ الرسولُ ﷺ على أهميةِ القوةِ في حياةِ المؤمنِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ». فينبغِي على العبدِ أنْ يكونَ قويَّ الإيمانِ في مواجهةِ التحدياتِ والمشكلاتِ، وقد بيّنَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى أنَّ الإيمانَ هو الذي يجعلُ الإنسانَ ثابتًا في وجهِ المشكلاتِ؛ لأنَّ المؤمنَ لمّا تحلُّ بهِ نكباتٌ أو مشكلاتٌ أو مصائبٌ يقولُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. (البقرة: 156)، فإذا قلبُهُ عامرٌ بالطمأنينةِ والسّكينةِ. لذلك ترَى المؤمنينَ هم أصبرُ الناسِ على البلاءِ، وأثبتهُم في الشدائدِ؛ لأنّهُم عرفُوا مِن لطفِ ربِّهم أنّ هذه الشدائدَ دروسٌ قيّمةٌ لهُم، وتجاربٌ نافعةٌ لدينِهِم ودنياهُم، فَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ!! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ!! إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ!! وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ!! ” وكذلك تكون القوة بالاستعدادِ العسكرِيِّ لمواجهةِ أيِّ عدوانٍ خارجيٍّ يجتاحُ البلادَ والعبادَ، تحقيقًا لقولِهِ تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ…} [الأنفال: 60). فقد ” أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِإِعْدَادِ آلَاتِ الْحَرْبِ لِمُقَاتَلَتِهِمْ حَسَبَ الطَّاقَةِ وَالْإِمْكَانِ وَالِاسْتِطَاعَةِ، {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ} أي: تُخيفونَ بتلك القوةِ الكفارَ أعداءَ اللهِ وأعداءَكُم {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} أي: وترهبون به آخرين غيرَهُم”. (صفوة التفاسير). وعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: ” {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ” ثلاثا. (صحيح مسلم). وقد علّمَ الرسولُ ﷺ الصحابةَ الكرامَ الرميَ عمليًّا ليكونُوا أقوياءَ، فعن سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ» قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟»، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» . (صحيح البخاري).
فإعدادُ العدةِ والقوةِ، وتعليمُ الرميِ والتدريبُ على الآتِ الحربِ أخذٌ بالأسبابِ في تخويفِ وترهيبِ العدوِّ، أمَّا النتائجُ والنصرُ فهو مِن عندِ اللهِ تعالى: { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}. (آل عمران:126) ، {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى }. (الأنفال: 17).
وإن جنودنا البواسل – في حرب أكتوبر المجيدة، والتي نختفي ونحتفل بذكراها في هذه الأيام – قد ضربوا لنا أروع الأمثلة في إعداد القوة والأخذ بالأسباب، مع الاعتماد والتوكل على الله تعالى، حتى أتم الله لهم النصر والفتح والمدد. فعليكُم أن تنشِّئُوا أولادَكُم وشبابَكُم على القوةِ في جميعِ مجالاتِ الحياةِ:
على القوةِ الإيمانيةِ التي بهَا يواجهونَ مصاعبَ ومتاعبَ الحياةِ العمليةِ في مراحلِ عمرِهِم.
على القوةِ العلميةِ ليكونُوا في ركبِ الأممِ المتقدمةِ، ويكونُوا سفراءَ العلمِ إلى شتَّى بقاعِ العالمِ.
على القوةِ الجسديةِ والعسكريةِ ليكونُوا أقوياءَ أصحاءَ يدافعونَ عن دينِهِم وعرضِهِم وأموالِهِم ووطنِهِم.
على القوةِ الاقتصاديةِ ليعيشُوا في رخاءٍ ورغدٍ مِن العيشِ.
وهكذا باجتماعِ هذه القوى كلِّهَا يكونُ المسلمُ قويًّا في مواجهةِ كلِّ المشكلاتِ والتحدياتِ التي تقابلُهُ.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا
