المهندسة ريهام عطية في حوار خاص: من العمارة إلى الأثاث المتحول.. التكنولوجيا غيرت مفهوم المساحة وليس شكلها فقط
المهندسة ريهام عطية في حوار خاص: من العمارة إلى الأثاث المتحول.. التكنولوجيا غيرت مفهوم المساحة وليس شكلها فقط
بدأت علاقتها بالأثاث المتحول من سؤال معماري قبل أن تكون فكرة تكنولوجية: لماذا نظل نبني مساحات ثابتة لحياة تتغير احتياجاتها باستمرار؟
من هذا السؤال بدأت رحلة المهندسة ريهام عطية مع الفراغات المتحولة والتكنولوجيا الذكية، قبل أن تتوسع تجربتها لتجمع بين العمارة والتصميم الداخلي والأثاث والميكاترونكس والبرمجة والأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي
وتخرجت المهندسة ريهام عطية في قسم الهندسة المعمارية بجامعة الفيوم عام 2012، وكان اهتمامها بالـTransformable Spaces & Smart Technology حاضرًا منذ مشروع تخرجها، قبل أن تتحول الفكرة خلال سنوات العمل إلى اتجاه مهني يجمع بين التصميم والتكنولوجيا والتنفيذ.
وفي هذا الحوار، تتحدث المهندسة ريهام عطية عن بداية الفكرة، ولماذا ترى أن الأثاث المتحول ليس مجرد «قطعة بتفتح وتقفل»، وكيف ساعدتها دراسة مجالات خارج العمارة التقليدية في تطوير رؤيتها، وما الذي يمكن أن يقدمه هذا الاتجاه للسوق المصري والعربي.في البداية.. من أين جاءت فكرة الجمع بين العمارة والتكنولوجيا؟
المهندسة ريهام عطية:
بالنسبة لي الموضوع بدأ من العمارة نفسها، وليس من التكنولوجيا. منذ دراستي كنت مهتمة بفكرة الفراغ وكيف يمكن أن يتغير استخدامه، خصوصًا أن احتياجات الإنسان ليست ثابتة، بينما أغلب المساحات التي نصممها تكون ثابتة جدًا.
كنت أسأل نفسي: لماذا يجب أن تكون غرفة المعيشة غرفة معيشة طوال الوقت؟ ولماذا نحتاج إلى مساحة منفصلة لكل وظيفة إذا كان من الممكن أن تؤدي المساحة نفسها أكثر من وظيفة؟
ومن هنا بدأت أهتم بالـTransformable Spaces، وكان هذا الاتجاه جزءًا أساسيًا من دراستي ومشروع تخرجي، وبدأت أرى أن العمارة وحدها يمكن أن تقدم جزءًا من الحل، لكن التكنولوجيا تستطيع أن تجعل المكان أكثر قدرة على التكيف.
إذن الأثاث المتحول بدأ عندك كفكرة معمارية وليس كتصميم أثاث؟
بالضبط. أنا لا أنظر إلى الأثاث المتحول باعتباره قطعة أثاث غريبة أو سريرًا يختفي داخل الحائط فقط.
الفكرة بالنسبة لي أكبر من ذلك.
أنا أتعامل مع المساحة أولًا: ما الوظائف المطلوبة منها؟ كم ساعة نستخدم كل وظيفة؟ وما العناصر التي يمكن أن تتحرك أو تتغير حتى نستفيد من المساحة نفسها بأكثر من شكل؟
بعد ذلك يأتي دور الأثاث كجزء من الحل المعماري.
وبالتالي يمكن أن تتحول غرفة واحدة من معيشة إلى عمل، أو من نوم إلى مساحة أكثر اتساعًا خلال النهار، أو تتحول قطعة واحدة لتؤدي أكثر من وظيفة، لكن وفق دراسة للحركة والأبعاد والأمان وطبيعة المستخدم.
وأين تدخل التكنولوجيا في هذه المعادلة؟
هنا حدث التحول الحقيقي بالنسبة لي.
اكتشفت أنني لكي أطوّر الفكرة لا يكفي أن أكون معمارية فقط. كنت أحتاج إلى فهم: كيف ستتحرك القطعة؟ كيف سأتحكم فيها؟ ما نوع المحرك؟ أين توجد الحساسات؟ كيف يتفاعل المستخدم معها؟ وكيف أجعل الحركة آمنة؟
ولهذا اتجهت إلى دراسة البرمجة والأنظمة المدمجة والميكاترونكس والروبوتكس، وبدأت أربط هذه المعرفة بخلفيتي المعمارية.
وهنا أصبح السؤال مختلفًا: بدلًا من «كيف أصمم قطعة أثاث؟» أصبح السؤال «كيف أصمم نظامًا داخل الفراغ يستطيع أن يتفاعل مع المستخدم؟»
وما الفرق بين الأثاث المتحول والأثاث الذكي من وجهة نظرك؟
هناك تداخل، لكنهما ليسا الشيء نفسه.
الأثاث المتحول يمكن أن يغيّر شكله أو وظيفته، سواء يدويًا أو ميكانيكيًا. أما عندما نضيف الحساسات والمحركات ووحدات التحكم والبرمجة وربما الاتصال بأنظمة المنزل، فنحن ننتقل إلى مستوى آخر من Smart Furniture.
وقتها لا تصبح القطعة مجرد أثاث؛ تصبح جزءًا من المنظومة الذكية للمكان.
تخيّل مثلًا قطعة أثاث تتحرك وفق سيناريو محدد، أو تتوقف تلقائيًا إذا اكتشف حساس وجود شخص في مسار الحركة، أو تتكامل مع الإضاءة والستائر وباقي سيناريوهات الـSmart Home.
هنا نحن لا نتحدث عن الشكل فقط، وإنما عن تصميم + ميكانيكا + إلكترونيات + برمجة + تجربة مستخدم + أمان.
هل المساحات الصغيرة هي السبب الرئيسي وراء اهتمامك بهذا المجال؟
هي سبب مهم جدًا، لكنها ليست السبب الوحيد.
مع ارتفاع أسعار العقارات وتغير أنماط المعيشة، أصبح كل متر له قيمة. وبالتالي بدلًا من التفكير دائمًا في زيادة المساحة، يمكننا التفكير في زيادة كفاءة المساحة الموجودة بالفعل.
لكن الفكرة يمكن استخدامها أيضًا في المكاتب والفنادق والمساحات التجارية والتعليمية وغيرها. أي مكان تتغير احتياجات استخدامه خلال اليوم يمكن أن يستفيد من مفهوم الفراغ المتحول.
أنا أرى أن القضية ليست «مساحة صغيرة» فقط، وإنما مساحة أكثر ذكاءً.
أين تحولت هذه الأفكار إلى عمل فعلي؟
على مدار سنوات عملي اشتغلت في التصميم المعماري والداخلي والتنفيذ والتشطيبات والتكنولوجيا الذكية، وده خلاني أشوف المشروع من أكتر من زاوية.
ومن خلال Double Systems أصبح عندي مساحة أكبر لربط التصميم بالتنفيذ والـSmart Home والحلول التكنولوجية بدل ما كل تخصص يشتغل بمعزل عن الآخر.
كما امتدت خبرتي ومشروعاتي واهتماماتي المهنية بين مصر والسعودية والإمارات، وده مهم جدًا؛ لأن كل سوق له احتياجاته وطبيعة المستخدم فيه ونوعية المشروعات والمساحات المختلفة.
والاحتكاك بأكثر من سوق أكد لي أن الحل الذكي لا يمكن نسخه من مشروع ووضعه في مشروع آخر. التكنولوجيا الناجحة لازم تتصمم وفق احتياجات المكان والعميل وطريقة الاستخدام.
لكن لماذا درستِ مجالات بعيدة نسبيًا عن العمارة مثل الميكاترونكس والبرمجة؟
لأنني وصلت إلى مرحلة كان التصميم فيها يسبق قدرتي على التنفيذ التكنولوجي.
كنت أستطيع أن أتخيل الحل، لكني أريد أن أفهم فعليًا ماذا يحدث خلفه.
لم أكن أريد أن أقول لمتخصص آخر: «اجعل هذه القطعة تتحرك» وينتهي دوري. كنت أريد أن أفهم المنطق الهندسي للحركة والتحكم والحساسات والبرمجة حتى أستطيع تصميم الحل من البداية بصورة واقعية.
وده غير طريقة تفكيري جدًا، لأنك عندما تفهم أكثر من تخصص تبدأ ترى المشروع كنظام واحد بدلًا من مجموعة أجزاء منفصلة.
وهل دخل الذكاء الاصطناعي أيضًا في هذه المنظومة؟
بالتأكيد. الذكاء الاصطناعي اليوم أصبح أداة مهمة جدًا في مراحل متعددة من التصميم والتطوير.
لكنني دائمًا أؤكد أن الـAI لا يعوض المعرفة الهندسية. هو يستطيع أن يساعدني في توليد أفكار وبدائل، وتحليل سيناريوهات وتسريع أجزاء من عملية التطوير، لكن في النهاية هناك مهندس يجب أن يفهم الأبعاد والخامات والحركة والتنفيذ والأمان والتكلفة.
القيمة الحقيقية تظهر عندما نضع الذكاء الاصطناعي فوق خبرة هندسية حقيقية، وليس بدلًا منها.
ومن هنا جاءت فكرة Smart Furniture Lab؟
نعم، لأنني وجدت أن المجال نفسه يحتاج إلى جيل يفكر بطريقة مختلفة.
فكرة Smart Furniture Lab تقوم على ألا يتعلم المتدرب تصميم شكل جميل فقط، وإنما يمر بالرحلة كاملة: فهم الفراغ، وتحليل المشكلة، وتصميم الحل، ودراسة الحركة، واختيار الخامات، والتعرف على الحساسات والمحركات وأنظمة التحكم، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، ثم التفكير في التصنيع والتنفيذ.
هدفي أن يتعامل المتدرب مع قطعة الأثاث باعتبارها منتجًا هندسيًا متكاملًا وليس مجرد رسمة.
بعد أكثر من 14 عامًا في المجال، كيف ترين مستقبل العمارة؟
أعتقد أننا نتجه من مفهوم Smart Home إلى مفهوم أكبر وهو Smart Space.
المستقبل ليس أن أضع أجهزة ذكية كثيرة داخل مبنى تقليدي وأقول إنه أصبح ذكيًا. المستقبل أن يكون الذكاء جزءًا من التفكير في المكان نفسه منذ البداية.
كيف يتحرك؟ كيف يتغير؟ كيف يستهلك الطاقة؟ كيف يستجيب للمستخدم؟ وكيف يمكن لنفس المساحة أن تقدم قيمة أكبر؟
وهنا سيكون دور المعماري مختلفًا؛ لأنه لن يعمل بمعزل عن مهندس الكهرباء أو الميكاترونكس أو البرمجيات أو متخصص الذكاء الاصطناعي.
وما المشروع الذي تحاول المهندسة ريهام عطية الوصول إليه من كل هذه المسارات؟
أنا لا أريد التكنولوجيا لمجرد أن نقول إن المشروع «Smart».
هدفي الأساسي هو الإنسان.
إذا لم تجعل التكنولوجيا المكان أكثر راحة، أو المساحة أكثر كفاءة، أو الاستخدام أسهل، أو الطاقة أقل، أو الأمان أفضل، فهي بالنسبة لي لم تحقق الهدف.
وأعتقد أن أهم تحول نحتاجه هو أن نتوقف عن النظر إلى العمارة والأثاث والتكنولوجيا باعتبارها تخصصات منفصلة.
أنا أريد مكانًا يفهم الإنسان ويتغير معه.المستقبل ليس في أن نصمم مساحة أكبر بالضرورة، وإنما أن نجعل المساحة الموجودة أكثر قدرة على الحياة والتغير والاستجابة للإنسان.


