Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار مصر

نرجو جيلًا ينشأ على التقدير وإنزال الناس منازلهم ) 

( نرجو جيلًا ينشأ على التقدير وإنزال الناس منازلهم )

بقلم الشيخ خالد حسن

احد علماء الأزهر الشريف

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..

لقد خلقَ اللهُ النفسَ الإنسانيةً وجعلَها رمزًا للتكريمِ والتوقيرِ والاحترامِ، فقال تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }. [الإسراء: 70]. ولقد أمرنَا الإسلامُ باحترامِ الكبيرِ وتوقيرِه، وإنزالهِ منزلتَه. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ “. ( الطبراني والبيهقي والترمذي). وعن أَنَس بْن مَالِكٍ قال: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَبْطَأَ القَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا». (أحمد والترمذي والحاكم وصححه). أي ليس من أخلاقِنَا وهديِنَا وطريقتِنَا. والاحترامُ وإنزالُ الناسِ منازلَهم كلمةٌ تضمُّ مجموعةً مِن المشاعرِ الإيجابيةِ المتمثلةُ في الحبِّ والعنايةِ والتقديرِ، وهي صفةٌ إنسانيةٌ جليلةٌ تحملُ في طياتِها معاني أخرى من الشموخِ والرفعةِ والعزةِ، والاحترامُ عكسُ الازدراءِ أي الاحتقار، وقد ظهرتْ هذه القيمةُ في العديدِ من المواقفِ كما جاءً في القرآنِ والسنةِ . وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ؛ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ؛ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ”. (أبو دواد والطبراني بسند حسن)، يقول ابن حزم: “اتفقوا على توقير أهل القرآن والإسلام والنبي ﷺ ، وكذلك الخليفة والفاضل والعالم”. (الآداب الشرعية لابن مفلح).

وقد غرسَ النبيُ ﷺ هذه القيمةَ النبيلةَ في نفوسِ صحابَتِه الكرام، قال أبو مسعودٍ البدريِّ رضي اللهُ عنه : كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلَاةِ، ويقولُ: اسْتَوُوا، ولَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنكُم أُولو الأحْلَامِ والنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قالَ أبو مَسْعُودٍ: فأنْتُمُ اليومَ أشَدُّ اخْتِلَافًا “. ( مسلم )، وعن أبي سعيدٍ رضي اللهُ عنهُ قال: ” لقَدْ كُنْتُ علَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عنْه، فَما يَمْنَعُنِي مِنَ القَوْلِ إلَّا أنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي ” . ( مسلم ) . وعَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، فَصِرْنَا إِلَى مَضِيقٍ فَتَقَدَّمَنِي ثُمَّ قَالَ لِي” لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْبَرُ مِنِّي بِيَوْمٍ مَا تَقَدَّمْتُكَ “(الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْجَامِعِ)، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضى اللهُ عنهما – قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” أَخْبِرُونِي بشَجَرَةٍ مَثَلُها مَثَلُ المُسْلِمِ، تُؤْتي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بإذْنِ رَبِّها، ولا تَحُتُّ ورَقَها, فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، وثَمَّ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّما، قالَ النبيُّ ﷺ: هي النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مع أبِي قُلتُ: يا أبَتاهُ، وقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، قالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَقُولَها، لو كُنْتَ قُلْتَها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن كَذا وكَذا، قالَ: ما مَنَعَنِي إلَّا أنِّي لَمْ أرَكَ ولا أبا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُما فَكَرِهْتُ”

وروَى أبو داودَ عن ميمونِ بنِ أبي شبيبٍ رحمَهُ اللهُ: «أَنَّ عَائِشَةَ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ، فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ، فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ». (سننُ أبي داودَ، وقال الأرناؤوط: حديث حسن). يقولُ الإمام المناوي: «(أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ) أَيْ: أَعْطُوا كُلَّ أَحَدٍ حَقَّهُ، وَاحْفَظُوا حُرْمَتَهُ عَلَى قَدْرِهِ، وَعَامِلُوهُ بِمَا يُلَائِمُ حَالَهُ فِي عُمُرٍ وَدِينٍ وَعِلْمٍ وَشَرَفٍ؛ فَلَا تُسَوُّوا بَيْنَ الخَادِمِ وَالمَخْدُومِ، وَالرَّئِيسِ وَالمَرْؤُوسِ؛ فَإِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا تُورِثُ عَدَاوَةً وَحِقْدًا فِي النُّفُوسِ» وقد سُئِلَ العباسُ عمُّ النبيِّ ﷺ أنتَ أكبرُ أم رسولُ اللهِ؟ فقالَ احترامًا وتوقيرًا: هو أكبرُ منِّي وأنَا ولدتُ قبلَهُ!

وهكذا خرَّجتْ مدرسةُ النبيِّ مُحمدٍ – ﷺ – جيلًا نشأَ على الحبِّ والاحترامِ والتقديرِ وإنزالِ الناسِ منازلَهم . إنّ مَن ينظرْ إلى جيلِ آبائِنَا وأجدادِنَا يجدْ أنّ قيمةَ الاحترامِ وإنزالَ الناسِ منازلَهم كانتْ قد بلغتْ ذروتهَا، فكان الواحدُ منهم حينما يسلمُ على أبيهِ أو جدهِ أو عمهِ أو خالهِ أو أحدٍ أكبرَ منهُ مِن أقاربهِ وذوي رحمهِ، يقبلُ يدَهُ واضعًا جبهتَهُ عليها احترامًا وتقديرًا، كان الواحدُ يقابلُ معلمَهُ في الطريقِ فيخالفُ الطريقَ مِن هيبةِ المعلمِ وتوقيرِهِ واحترامِهِ، واليوم بدأتْ هذه المعاني في الانسلاخِ والانصرامِ؛ بسببِ ما يتشبعُهُ الشبابُ والفتياتُ مِن أفكارٍ وتقليدٍ أعمَى، تحت ستارِ الحريةِ والتحضرِ وإثباتِ الذاتِ، أصبح الشابُ يسلمُ على أبيهِ وجدهِ بأناملِ أصابعِه كأنَّهُ يخافُ مِن العدوىَ والفيروسِ؛ أصبح الشابُ ينادِي على أبويهِ يا حاج ويا حاجة!! أصبح الطالبُ يعاملُ معلمَهُ معاملةَ الأصحابِ والخِلَّانِ، فعلينا أنْ نسعَى جاهدينَ إلى عودةِ غرسِ قيمةِ الاحترامِ في نفوسِ الشبابِ والفتياتِ، علينَا أنْ نغرسَ فيهم هديَ الرسولِ ﷺ في الاحترامِ والتقديرِ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُمَا قَالَا: «خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَبِّرِ الْكُبْرَ فِي السِّنِّ»، فَصَمَتَ، فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا». (مسلم).

قال الخطابي: ” قوله «كَبِّرِ الْكُبْرَ فِي السِّنِّ» إرشاد إلى الأدب في تقديم ذوي السن والكبر”. (معالم السنن).

وقال القاضي عياض: ” في هذا الحديث مراعاة السن والتقديم للأشياخ والكبراء في الكلام وفى الجماعة في محافل الناس وأمورهم، إذا كانت القضية تخص جميعهم لكونهم أوليائه، وكذلك يجب في التقديم في الأمور والولايات وغيرها مع استواء الأحوال”

ومن كل هذا كله نرجو جيلًا نشأَ على الحبِّ والاحترامِ والتقديرِ وإنزالِ الناسِ منازلَهم .

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى