الزمان لا يفسد النفوس بل يعريها.. الشماعة المريحة ومتاهة الهروب من المسؤولية

بقلم / الدكتور صديق بن صالح فارسي
تتردد على ألسنة الكثيرين عبارات راتبة تتهم الزمن بالتحول والفساد، وتلقي باللائمة على حركة الأيام في تراجع القيم وانتشار الخلل الأخلاقي. غير أن القراءة التأملية لواقع السلوك البشري تكشف أن الزمان ليس سوى وعاء محايد يتعاقب فيه الليل والنهار تماماً كما تعاقبا على الأنبياء والصالحين والظالمين عبر التاريخ، دون أن يتغير جوهر الفصول أو تتبدل سنن الكون.
إن تعليق الأخطاء والإنحرافات على “شماعة الزمان” يمثل نمطاً من الهروب من المواجهة الذاتية؛ فالأيام لا تصنع صالحاً ولا طالحاً، بل تعكس طبيعة القائمين عليها، حيث يكتسب كل عصر صورته الذهنية من ممارسات أهله. وإذا كان الفساد يطفو في مراحل معينة، فإن ذلك لا يعني انقراض الخير أو تجريد الحاضر من فضائله، إذ تشير السنن والوقائع إلى أن كل جيل يضم المصلح والمفسد، وتتفاوت فيه مستويات الابتلاء وأدوات التأثير.
واقعية التعامل وتجاوز وهم الكمال
وفي سياق العلاقات الإنسانية، يُعد الاستسلام لليأس أو النظرة السوداوية عائقاً أمام بناء مجتمعات متماسكة. فالنضج الفكري يستلزم إدراك الطبيعة البشرية القائمة على النقص والبحث المتواصل عن الإصلاح، إذ إن اشتراط الكمال في الصديق أو الشريك ينتهي بالمرء إلى العزلة والوحشة.
* تفهّم الطبيعة البشرية: استيعاب أن البشر يجمعون بين القوة والضعف، وأن التعامل الرشيد يستوجب التجاوز عن الهفوات التي لا تمس الثوابت.
* التوازن في الإصلاح: تقبل علات الآخرين لا يعني السكوت عن الظلم أو مهادنة الخطأ، بل يفرض ممارسة النصيحة بالحكمة والإصلاح برفق.
* المسؤولية الفردية: التركيز على إصلاح الذات بدلاً من استنزاف الطاقات في إحصاء مفاسد العصر وتتبع عثرات الآخرين.
تتغير الدول وتتبدل الأجيال وتتعاقب الأزمنة، لكن التحدي الحقيقي للإنتاج الفكري والإنساني لا يكمن في التساؤل عن طبيعة العصر الذي نعيش فيه، بل في تحديد طبيعة الأثر الذي يتركه الفرد في مجتمعه، وقدرته على أن يكون جزءاً من أسباب حفظ الخير واستمراريته.




