Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
حول العالم

الشيخ خالد حسن يكتب:  الرشوة سحت وأكل بالباطل  

الشيخ خالد حسن يكتب:  الرشوة سحت وأكل بالباطل

 

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد..

لقد وضع الإسلام حدودا ويجب على كل فرد ألا يتعداها وهناك حرمات يجب ألا ننتهكها ، ومن أهم تلك الحدود التي يجب ألا نتعداها حفظ مال الغير ورعاية حقوق الناس ، ومن المعلوم أن الرشوة هي من السلوكيات التي تهدم المجتمع لما فيها من السحت الذي حذرنا منه الله عز وجل في شرعه الحكيم ، وهي أمرٌ محرَّمٌ شرعًا بكتابِ ربِّنَا، وسنةِ نبيِّنَا ﷺ، وإجماعِ المسلمينَ، واللهُ يقولُ في كتابِهِ العزيزِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، فالرشوةُ أخذُ مالٍ بالباطلِ، وأخذُ مالٍ بلا سببٍ، وأخذُ مالٍ بلا موجبٍ، وإنَّما هو ظلمٌ، وعدوانٌ، وإساءةٌ، ودناءةٌ، وسوءُ فعلٍ، وهو سحتٌ، كما قالَ اللهُ في حقِّ اليهودِ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42].

وقد فسَّرَ الصحابةُ السحتَ بأنَّهُ الرشوةُ، كما فسَّرهُ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وأنَّ قولَهُ تعالى: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}، أنَّ اليهودَ من أخلاقِهِم تعاطيَ الرشوةِ، والسعيَ فيهَا، فالرشوةُ سحتٌ، والسحتُ خبيثٌ، وكلُّ جلدٍ نبتَ من سحتٍ فالنارُ أولى بهِ. لذلكَ: “لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ الراشيَ والمرتشيَ”. (أبو داودَ، والترمذيُّ، وحسَّنهُ). فالراشي، والمرتشي، والرائشُ ملعونونَ عندَ اللهِ على لسانِ رسولِ اللهِ ﷺ، مطرودونَ من رحمةِ اللهِ، ممحوقٌ كسبُهُمْ، زائلةٌ بركتُهُمْ، خسروا دينَهُمْ، وأضاعوا أمانتَهُمْ، واستسلموا للمطامعِ، واستعبدتهُم الأهواءُ، وأغضبوا الربَّ، وخانوا إخوانَهُمْ، وغشوا الأمةَ، نفوسُهُمْ خسيسةٌ، وهممُهُمْ دنيئةٌ. ولخطورةِ الرشوةِ عدَّها الإمامُ الذهبيُّ من الكبائرِ، وسطرَ لها بابًا خاصًّا، وذلكَ من خلالِ الكبيرةِ الثانيةِ والثلاثينَ. إنَّ الرشوةَ من الجرائمِ المفسدةِ، وهي إنْ تمكنتْ من السريانِ والانتشارِ في جسدِ المجتمعِ أفسدتْ ذلكَ الجسدَ حتى يغدوَ جمادًا بلا روحٍ، وكلما استفحلتْ كانتْ كمعاولِ الهدمِ والتخريبِ، لا تنفكُّ تطرقُ أركانَ الدولةِ حتى تزعزعَهَا.

ولقدِ استهانَ كثيرٌ من الناسِ بهذا البابِ الخطيرِ، وهو سببُ فسادِ الذممِ، وشراءِ الضمائرِ، والمماطلةِ في الحقوقِ، والتقاعسِ عن أداءِ الواجباتِ إلا برشوةٍ، أو هديةٍ، أو خدمةٍ يبذلُهَا صاحبُ الحقِّ، بصورٍ عديدةٍ، وأغراضٍ خسيسةٍ.

ومن تلكَ الصورِ تعاطي الرشوةِ محاباةً ومجاملةً لإحقاقِ باطلٍ، أو إبطالِ حقٍّ، كما هو شائعٌ في المصالحِ الحكوميةِ، فقد أخرجَ الشيخانِ من حديثِ أبي حميدٍ الساعديِّ رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: استعملَ النبيُّ ﷺ رجلًا من الأزدِ، يُقالُ لهُ ابنُ الأُتبيةِ، على الصدقةِ، فلما قدمَ قالَ: هذا لكم، وهذا أُهديَ لي، قالَ: «فهلا جلسَ في بيتِ أبيهِ أو بيتِ أمِّهِ، فينظرَ يُهدى لهُ أمْ لا؟ والذي نفسي بيدِهِ لا يأخذُ أحدٌ منهُ شيئًا إلا جاءَ بهِ يومَ القيامةِ يحملُهُ على رقبتِهِ، إنْ كانَ بعيرًا لهُ رغاءٌ، أو بقرةً لها خوارٌ، أو شاةً تيعرُ». ثمَّ رفعَ بيدِهِ حتى رأينَا عفرةَ إبطيهِ: «اللهمَّ هل بلغتُ، اللهمَّ هل بلغتُ» ثلاثًا. أ.هـ. قالَ الخطابيُّ رحمهُ اللهُ: “في هذا بيانٌ أنَّ هدايا العمالِ سحتٌ، وأنَّهُ ليسَ سبيلُهَا سبيلَ الهدايا المباحةِ، وإنَّما يُهدى إليهِ للمحاباةِ، وليخففَ عن المهدي، ويُسوغَ لهُ بعضَ الواجبِ عليهِ، وهو خيانةٌ منهُ، وبخسٌ للحقِّ الواجبِ عليهِ استيفاؤُهُ لأهلِهِ”. (معالمُ السننِ). وقالَ الشوكانيُّ رحمهُ اللهُ: “إنَّ الهدايا التي تُهدى للقضاةِ ونحوِهِم هي نوعٌ من الرشوةِ؛ لأنَّ المهديَ إذا لم يكنْ معتادًا للإهداءِ إلى القاضي قبلَ ولايتِهِ، لا يهدي إليهِ إلا لغرضٍ، وهو إما التقوي بهِ على باطلِهِ، أو التوصلُ بهديتِهِ إلى حقِّهِ، والكلُّ حرامٌ”. (نيلُ الأوطارِ). وبهذا علمنَا خطورةَ الرشوةِ في الإسلامِ. فالرشوةُ تعملُ على هدمِ الاقتصادِ وانهيارِهِ، وإهدارِ الأموالِ، وتعريضِ الأنفسِ للخطرِ. فلو تخيلتَ أنَّ الرشوةَ قد سادتْ في مجتمعٍ حتى وصلتْ إلى قطاعِ الصحةِ وإنتاجِ الدواءِ، فكيفَ ستكونُ أحوالُ الناسِ الصحيةُ حينَ يستعملونَ أدويةً رديئةً أُجيزَ استعمالُهَا عن طريقِ الرشوةِ؟ ثمَّ تخيلْ أنَّكَ تسيرُ على طرقٍ وكبارٍ بها عيوبٌ جسيمةٌ تجعلُ منهَا خطرًا على أرواحِ الناسِ وممتلكاتِهِم، وقد حصلَ المقاولُ على شهاداتِ إتمامِ العملِ والبناءِ عن طريقِ الرشوةِ، كمْ سيترتبُ على انهيارِ هذهِ الطرقِ والكباري من خسائرَ في الأرواحِ والأموالِ؟ وقِسْ على ذلكَ جميعَ المجالاتِ؛ لهذا كانتِ الرشوةُ إهدارًا للأموالِ، وتعريضًا للأنفسِ للخطرِ!!

والرشوةُ تعملُ على زعزعةِ الأمنِ في المجتمعِ، فتخيلْ لو أنَّ بينكَ وبينَ أحدٍ خصومةً ما، ووصلَ الأمرُ إلى الشرطةِ والقضاءِ، وأنتَ رجلٌ عندكَ مبادئُ، ولستَ من أربابِ المشاكلِ، فسوفَ يدفعُ الخصمُ مبلغًا من المالِ لعملِ تقريرٍ طبيٍّ مزورٍ، كما يحدثُ في هذهِ الأيامِ، وسوفَ يترتبُ على هذا الأمرِ أنْ يتمَّ حبكُ المحضرِ حبكًا محكمًا، حتى يصلَ إلى آخرِ مراحلِهِ ليلةَ الحكمِ ضدكَ بالسجنِ، وبناءً عليهِ، فهلْ ستنامُ أو تشعرُ بالراحةِ؟! كلا، لأنَّكَ فقدتَ أهمَّ عناصرِ الأمنِ والاستقرارِ: «آمنًا في سربِهِ». فالرشوةُ تدمرُ المجتمعَ، وتجعلُ أعزةَ رجالِهِ أذلةً، وأحقرَ رجالِهِ يتوسدونَ مقاليدَ الأمورِ إلا من رحمَ ربِّي، والرشوةُ تحولُ المجرمَ إلى بريءٍ، والبريءَ إلى مجرمٍ، وتعينُ الفاسدَ على فسادِهِ فيزدادُ فسادًا، وهذا ما يقوضُ قدراتِ المجتمعِ ويشلُّهُ، ويدفعُ الجميعَ إلى الهاويةِ، واستحقاقِ اللعنةِ من اللهِ تعالى. علينا جميعا أن نتحرى الحلال في معاملتنا ولا بد أن نبتعد عن الأمور المشبهات التي قد تودي بنا جميعا ..

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى