زلزال الأسواق العالمية… والمستفيد الأكبر يراهن على الحصان الأصفر الجامح

لم تعد المواجهة الأمريكية الإيرانية أزمةً عسكريةً محصورة في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى قوة هائلة تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، بعد أن امتدت تداعياتها إلى النفط والذهب والدولار والسندات وأسواق الأسهم، وأدخلت البنوك المركزية والمستثمرين في معادلة شديدة التعقيد.
ومع تصاعد الضربات المتبادلة وارتفاع المخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية وتهديد حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، أعادت الأسواق تسعير المخاطر بصورة سريعة؛ فقفزت أسعار النفط، وارتفعت عوائد السندات الأمريكية، بينما اتجهت السيولة إلى الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الذهب الذي صعد وفق البيانات الظاهرة بنسبة 1.12%، رغم تسجيل مؤشر الدولار ارتفاعًا طفيفًا بلغ 0.02%.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: ارتفاع الدولار لم يمنع صعود الذهب، لأن المحرك الحقيقي للأسواق لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح جيوسياسيًا بامتياز.
النفط يشعل شرارة التضخم
يبقى النفط في قلب الأزمة؛ فمجرد احتمال تعطل الإمدادات أو تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز يكفي لإشعال موجة قلق في الأسواق العالمية، نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية للخليج بوصفه شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة.
وارتفاع النفط لا يقتصر تأثيره على أسعار الوقود، بل يمتد إلى النقل والشحن والتصنيع والزراعة والخدمات، ما يعني انتقال موجة ارتفاع التكاليف إلى المستهلك النهائي وعودة الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات الكبرى.
هذه العودة المحتملة للتضخم تضع مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية أمام مأزق حقيقي؛ فخفض الفائدة قد يدعم الاقتصاد، لكنه قد يغذي التضخم، بينما استمرار التشديد النقدي قد يضغط على النمو والشركات والأسر.
من المستفيد ومن الخاسر؟
المستفيدون المباشرون من هذه التطورات هم شركات النفط والغاز، وبعض شركات الصناعات الدفاعية، إضافة إلى المستثمرين الذين تحوطوا مبكرًا بالذهب والأصول الآمنة.
وفي المقابل، تتعرض شركات الطيران والنقل والخدمات اللوجستية والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لضغوط متزايدة، بسبب ارتفاع الوقود وتكاليف التشغيل والشحن.
أما الدول المستوردة للطاقة، فقد تواجه ارتفاعًا في فاتورة الواردات، وضغوطًا على موازناتها وعملاتها ومعدلات التضخم لديها.
وفي أسواق الأسهم، يظهر تباين واضح؛ إذ تستفيد قطاعات الطاقة والدفاع من ارتفاع الطلب المتوقع، بينما تواجه القطاعات الحساسة للفائدة والطاقة والتمويل ضغوطًا بيعية متزايدة.
الدولار والسندات تحت الاختبار
تراجع الإقبال على بعض الأصول مرتفعة المخاطر، وظهرت تقلبات في سوق السندات الأمريكية مع إعادة تسعير توقعات الفائدة.
وقد يستفيد الدولار مؤقتًا بصفته ملاذًا آمنًا، لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم قد يعقد المشهد، لأن قوة الدولار لن تكون كافية وحدها لإطفاء القلق المتزايد بشأن النمو والدين والسياسة النقدية.
وهذا يفسر لماذا استطاع الذهب أن يرتفع حتى مع صمود الدولار؛ فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن عملة قوية، بل عن أصل يحمي القيمة من الحرب والتضخم واضطراب الأسواق.
الرهان على الحصان الأصفر الجامح
في مثل هذه الأزمات، يعود الذهب إلى الواجهة لا باعتباره سلعةً تقليدية، بل مخزنًا للقيمة وأداةً للتحوط من التضخم والتوترات الجيوسياسية وتقلبات العملات.
ويؤكد البرفسور المهني الممارس الدكتور هاني فايز يوسف حمد، خبير الذهب العالمي، أن الحصان الأصفر دخل مرحلة جديدة، وأن تحركاته الحالية لا تستند إلى عامل واحد، بل إلى مجموعة متداخلة من المحركات، أبرزها:
التوتر العسكري، والخوف من اضطراب إمدادات الطاقة، واحتمال عودة التضخم، وتعقيد قرارات الفيدرالي، وتراجع شهية المخاطرة، وازدياد الطلب على الملاذات الآمنة.
ويقول:
«حين يجتمع خطر الحرب مع ارتفاع النفط وعودة التضخم واضطراب السياسة النقدية، يصبح الذهب في قلب المعادلة، لأن المستثمر لا يبحث عندها عن الربح فقط، بل عن الأمان وحماية رأس المال.»
ويضيف:
«الحصان الأصفر قد يتعرض لجولات من التصحيح وجني الأرباح، لكنه لم يقل كلمته الأخيرة، وكلما اتسعت دائرة المخاطر ازدادت قوة الرهان عليه.»
هل يواصل الذهب الصعود؟
يتوقف مسار الذهب خلال المرحلة المقبلة على حجم التصعيد العسكري، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، واتجاه أسعار النفط، وتحركات الدولار وعوائد السندات، إضافة إلى قرارات الفيدرالي الأمريكي.
فإذا استمرت التوترات وارتفعت أسعار الطاقة، فقد يتزايد الطلب على الذهب، أما إذا ظهرت تسوية سياسية سريعة وتراجعت المخاطر، فقد تشهد الأسعار عمليات جني أرباح مؤقتة.
لكن الصورة الأوسع تشير إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين، وأن الذهب أصبح مرة أخرى أحد أبرز أبطال المشهد الاقتصادي العالمي.
وأوضح البرفسيور حمد أن الأسواق العالمية تقف الآن أمام معادلة غير مسبوقة: حرب تهدد الطاقة، ونفط يوقظ التضخم، وفيدرالي محاصر بين الفائدة والنمو، ومستثمرون يهربون من المخاطر.
وبين كل هذه العواصف، يبقى الحصان الأصفر الجامح مستعدًا للانطلاق؛ فمن يراهن على الذهب لا يراهن على المعدن وحده، بل يراهن على الخوف والتضخم واضطراب العالم.
إعداد وقراءة اقتصادية:
البرفسور المهني الممارس الدكتور هاني فايز يوسف حمد
خبير الذهب العالمي والخبير الدولي في تحليل أسواق الذهب والمعادن الثمينة



