الكاتب والمفكر قلم السلام حمدي قنديل

الكاتب والمفكر قلم السلام حمدي قنديل
فقه السعادة واليقين: النجاة من سجون الأفكار والعودة إلى رحاب الحال
إن أكثر ما يُثقل كاهل الإنسان ليس واقع الخارجي، بل تلك السيناريوهات الخفية التي يُحيكها العقل في غياهب الظلمة. فالعالم من حولك لم يتغير، والكون يجري على نظامه الذي سخره الله، غير أنك إن نظرت إليه بعين السلبية، انقلب جنتك إلى جحيم. الحزن والفرح، الضيق والاتساع، كلها صناعة داخلية تبدأ من زاوية رؤيتك للأشياء. يقول الله تعالى حكايةً عن نبي الله آدم عليه السلام: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وحين اعترف العبد بظلمه لنفسه برؤية الأمور بعين الشك والريبة والظن السيء، أدرك أصل العلة؛ فليس الله بظلام للعبيد، وما ظلمنا ربنا وما ظلمنا غيرنا، بل {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 113].
لقد أرسل الله رسوله رحمة للعالمين، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وأعطانا من كل ما سألناه، فمن ظن أن العيش ضنك بخلق الله، فقد أخطأ طريق الرؤية. وإن الخروج من دائرة الضيق إلى الأفق الأوسع يبدأ بتعديل البوصلة القلبية والفكرية، والتسليم المطلق لحكمة الخالق ولطفه الخفي.
الحكمة ونور الوحي: فقه اللحظة وحضور الحال
جاء في الأثر والحِكم المأثورة عن حكماء هذه الأمة وسلفها الصالح ما يعين الحائر على الثبات، ويُخرج الغافل من لُجج الهموم:
وصية ابن عمر رضي الله عنها النبوية: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك” (رواه البخاري). هذه الكبسولة النبوية هي الميزان الدقيق الذي يحرر النفس من أسر المستقبل وقلق الغد، لتعيش تماماً في محراب الحال.
درر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يقول رضي الله عنه: “ما أهمَّني رزقي، وما غتم لغير الحاضر”، وكان يعلم أن القلق على ما لم يُكتب هو التكلف المذموم، وأن الرضا بالحال هو أمان القلب.
إشراقات الإمام الغزالي في التصوف واليقين: يقرر حجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتاباته أن السعادة الحقيقية هي موافقة مراد الله في العبد، وأن من علامات الغفلة الاشتغال بالمستقبل عن أداء شكر النعمة الحاضرة، وأن العبد إذا انقطع عن تدبيره الخاص وانطرح بين يدي تدبير الخالق، استراح قلبه وصفت بصيرته.
وصية الإمام ابن عطاء الله السكندري: يقول في حكمه الشهيرة: “لا تحرص على الاستعراض في طلب الرزق، فقد تكفَّل به الحق، ولا تقصر في طاعتك، فقد طالبك بها الحق”. ويقول أيضاً: “أرح نفسَك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك”.
عيوب الغفلة وأشواق النجاة للشباب الحائر
أيها الشباب التائه في أروقة التوقعات والهموم، إن الحزن المستمر على ما فات، والخوف المقيت مما لم يُولَد بعد، هما سرَّان من أسرار ضياع اللذة. لماذا تحزن على رزق دبره الله، وخلقك في أحسن تقويم؟ لقد جعل الله في جسدك طاقة وقدرة على التحمل مذهلة؛ فالجسم البشري يتحمل الجوع أياماً، وأقل القليل يكفيك ويقيم أودك. وحين تنظر إلى ملكوت الله تتجلى لك الحقيقة العظمى التي نطق بها العارفون: “ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس”.
إن الحال الذي أنت فيه الآن هو عين ما اختاره الله لك، وهو في واقعه أحسن حال بالنسبة لخيرة الله فيك، لأن الله لا يقضي للمؤمن إلا خيراً. فلماذا تشغل الفكر في مستقبل غيبي بيد خالقه، وتترك استمتاع كل ثانية تتنفس فيها هواءه، وتنظر فيها إلى ملكوته؟
زبدة القول: الطريق من الظلمات إلى النور
عش في حدود يومك: إن أصبحت فلا تنتظر المساء، وإن أمسيت فلا تنتظر الصباح؛ فالعمر كله مختزل في هذه اللحظة التي تتنفس فيها الآن.
انطق بشكر الحال: حول لسانك وفكرك من ندب الحظ وشكوى المستقبل إلى النطق الدائم بشكر الله على ما أنت فيه من عافية ونفس يتردد.
كن عبداً تكن أغنى الناس: بالعبودية الحقة والتحرر من رق التعلق بالخلق والأشياء والأقدار، يدخل القلب في غنى دائم لا ينفد، وينتقل العبد من ظلمات الوهم والوساوس إلى نور اليقين والرضا.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نردد بصدق المخبتين: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}، ثم ننطلق في فسيح ملكوت الله آمنين مطمئنين.
الكاتب والمفكر قلم السلام حمدي قنديل
