Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
Uncategorized

حين يصبح “مساعدة الآخرين” خطرًا.. لماذا لا تكفي النية الطيبة في العمل النفسي؟

حين يصبح “مساعدة الآخرين” خطرًا.. لماذا لا تكفي النية الطيبة في العمل النفسي؟

من الرغبة في إنقاذ الآخر إلى مسؤولية معرفة حدودنا

بقلم: د. رابحة رأفت

استشارية نفسية إكلينيكية ومعالجة بالفن التعبيري

في كثير من الأحيان، يبدأ الطريق إلى مساعدة الآخرين من مكان جميل جدًا: الرغبة في أن نكون سببًا في تخفيف ألم شخص آخر.

شخص مرّ بتجربة صعبة، فيقرر أن يدرس علم النفس.

أم عاشت تجربة مع طفلها، فتبدأ في قراءة كتب التربية والصحة النفسية.

شخص استطاع أن يتجاوز أزمة شخصية، فيشعر أنه يريد أن يساعد الآخرين على تجاوز أزماتهم.

كل هذه الدوافع إنسانية ومفهومة.

لكن هناك سؤالًا لا نطرحه بما يكفي:

هل لأنني عشت الألم، أصبحت مؤهلًا لعلاج ألم الآخرين؟

وهنا تبدأ المنطقة الفاصلة بين التجربة الإنسانية والممارسة المهنية.

أن تعيش التجربة لا يعني أن تعرف كيف تعالجها

قد يكون الإنسان الذي مرّ بالاكتئاب أكثر قدرة على فهم شخص مكتئب من الناحية الوجدانية.

وقد تكون الأم التي عاشت سنوات مع طفل يعاني من صعوبات نفسية أكثر حساسية لمشاعر أم أخرى.

لكن الخبرة الشخصية، مهما كانت عميقة، لا تتحول تلقائيًا إلى كفاءة علاجية.

لأن العلاج لا يحتاج فقط إلى أن تقول للشخص:

“أنا فاهمك… أنا مريت بده.”

بل يحتاج أيضًا إلى أن تعرف:

متى يكون ما أمامك أزمة عابرة؟

ومتى يحتاج إلى تقييم متخصص؟

ومتى يصبح التدخل الذي تظنه مساعدًا غير مناسب؟

ومتى يجب أن تتوقف أنت عن التدخل وتحيل الشخص إلى متخصص آخر؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها النية الطيبة.

تجيب عنها المعرفة والتدريب والخبرة والإشراف والالتزام بحدود الاختصاص.

أخطر جملة قد يقولها المساعد

“أنا عارف أنت محتاج إيه.”

الجملة تبدو مطمئنة.

لكنها تحمل افتراضًا خطيرًا:

أن تجربتي تسمح لي بأن أعرف تجربة شخص آخر.

والحقيقة أن شخصين يمكن أن يمرا بالحدث نفسه، لكن يخرجان منه بتجربتين نفسيّتين مختلفتين تمامًا.

اثنان يفقدان شخصًا يحبانَه.

أحدهما يشعر بالغضب.

والآخر يشعر بالذنب.

ثالث قد يشعر بالارتياح ثم يشعر بالذنب لأنه شعر بالارتياح.

الحدث واحد، لكن التجربة النفسية ليست واحدة.

ولهذا، فإن الممارسة النفسية الناضجة لا تبدأ من:

“أنا أعرف.”

بل تبدأ كثيرًا من:

“أريد أن أفهم.”

لماذا نحتاج إلى حدود مهنية؟

قد يبدو وضع الحدود في المساعدة النفسية أمرًا باردًا أو بعيدًا عن الإنسانية.

لكن العكس هو الصحيح.

الحدود لا تقلل التعاطف…

الحدود تحميه.

عندما يعرف الممارس حدود كفاءته، فهو يحمي الشخص الذي أمامه من تدخل لا يناسبه.

وعندما يعرف متى يحيل الحالة، فهو لا يفشل في مساعدتها.

بل يمارس مسؤوليته.

وفي الصحة النفسية تحديدًا، الاعتراف بأننا لا نملك الإجابة لكل حالة ليس علامة نقص.

إنه جزء من المهنية.

ماذا عن العلاج بالفن؟

وهنا تظهر مشكلة أخرى.

انتشار الأنشطة الفنية النفسية جعل البعض يعتقد أن امتلاك مجموعة من الأفكار — رسم المشاعر، عمل قناع، رسم شجرة، تشكيل بالطين — يعني امتلاك القدرة على ممارسة العلاج بالفن.

لكن النشاط ليس هو العلاج.

يمكن أن يستخدم شخصان النشاط نفسه تمامًا، ويحدث شيئان مختلفان تمامًا.

لأن ما يعطي التدخل قيمته ليس الخامة وحدها.

بل:

لماذا اخترناها؟

لمن؟

وفي أي توقيت؟

وبأي هدف علاجي؟

وكيف سنفهم استجابة الشخص؟

وماذا سنفعل إذا ظهرت مادة نفسية شديدة الحساسية؟

هنا تحديدًا يتحول الفن من مجرد نشاط جميل إلى ممارسة تحتاج إلى معرفة ومسؤولية.

ليس كل صمت يحتاج إلى كسره

أحيانًا يكون الشخص أمامنا صامتًا.

والرغبة الطبيعية لدى من يساعده أن يفعل شيئًا سريعًا:

سؤال.

نشاط.

تمرين.

نصيحة.

لكن أحيانًا يكون الصمت نفسه جزءًا من العملية.

والممارس الناضج لا يقيس نجاحه بعدد الأشياء التي فعلها.

قد يكون نجاحه في لحظة ما هو أن يستطيع تحمل الصمت دون أن يملأه بتدخل غير ضروري.

وهنا يظهر الفرق بين الشخص الذي يمتلك أدوات…

والشخص الذي يفهم متى يستخدم الأداة ومتى لا يستخدمها.

المساعدة ليست إنقاذًا

هناك فرق كبير بين أن تساعد إنسانًا وأن تحاول إنقاذه.

الإنقاذ قد يجعلنا نتصرف بدلًا من الشخص.

أما المساعدة المهنية فتهدف إلى أن نساعد الإنسان على فهم نفسه، وتنمية قدرته على التعامل مع تجربته، واتخاذ قراراته، مع احترام استقلاليته وحدوده.

لذلك، ربما يكون السؤال الأهم الذي يحتاج كل من يعمل مع الإنسان إلى طرحه على نفسه:

هل أنا أساعد هذا الشخص… أم أنني أحاول أن أشعر بأنني الشخص الذي أنقذه؟

السؤال مؤلم.

لكنه ضروري.

لأن احتياج الممارس إلى أن يكون “المنقذ” يمكن أن يتداخل أحيانًا مع احتياج الشخص إلى أن يستعيد قدرته على إدارة حياته بنفسه.

ماذا نحتاج إذن؟

نحتاج إلى إعادة تعريف معنى “المتخصص”.

المتخصص ليس الشخص الذي يعرف أكبر عدد من التقنيات.

وليس صاحب أكبر عدد من الشهادات.

وليس الشخص الذي لديه إجابة جاهزة لكل سؤال.

المتخصص الحقيقي يعرف ماذا يعرف… وماذا لا يعرف.

يعرف متى يتدخل.

ومتى ينتظر.

ومتى يسأل.

ومتى يصمت.

ومتى يستمر.

ومتى يحيل الحالة.

وهذا النوع من المعرفة لا يُبنى في يومين.

في النهاية…

الرغبة في مساعدة الإنسان بداية جميلة.

لكنها ليست النهاية.

لأن الإنسان الذي يجلس أمامنا ليس مشروعًا لتجربة تقنية جديدة.

وليس لوحة نبحث عن تفسير رموزها.

وليس حالة نريد أن نثبت لأنفسنا أننا نستطيع حلها.

إنه إنسان له تاريخ، وتجربة، وحدود، وحق في أن نتعامل معه بمسؤولية.

ولهذا، ربما تكون أهم قاعدة في كل عمل إنساني:

قبل أن تسأل: “ماذا أستطيع أن أفعل له؟”

اسأل:

“هل أنا مؤهل فعلًا لأفعل هذا؟”

فأحيانًا…

أكثر أشكال المساعدة نضجًا ليست أن تتدخل، بل أن تعرف كيف ومتى ولماذا تتدخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى