الشيخ خالد حسن يكتب: ( خير الناس أنفعهم للناس )

( خير الناس أنفعهم للناس )
بقلم الشيخ خالد حسن
احد علماء الأزهر الشريف
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..
لقد حرص الإسلام على سلامة النفوس من الضغائن والكراهية ، وأزال كل ما هو يشين المعاملات بين الناس ولعل ما جاء به من تعاليم سمحة تعلمنا فقه التعامل مع الآخرين ، ولذلك جاءنا نبينا العظيم محمد – صلى الله عليه وسلم – بكل التعاليم التي تعلي من شئننا ولا تجعل في قلوبنا غلًا لإخواننا المؤمنين ، ومن هذه التعاليم الإحسان ، وليس على المحتاجين فقط ، بل على كل من نعامله من بني البشر ، وخاصة إذا كان ذلك الإحسان على محتاج فلقد حثَّ الإسلامُ على قضاءِ الحوائجِ وفعلِ الخيرِ ومساعدةِ الآخرين، وقد ربَّى الرسولُ ﷺ أصحابَهُ على أعمالِ البرِّ والخيرِ وقضاءِ الحوائجِ، حتى أصبحَ حقُّ أحدهِم ملكًا للجميع، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:” بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ؛ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ.” وعَنْ أَبي هُريرة رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ , وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ”. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ” وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا ، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا ، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ ، شَهْرًا ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ ، مَلأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَلْبَهُ أَمْنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى أَثْبَتَهَا لَهُ ، أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ ” فهذا أبوبكرٍ – رضي اللهُ عنه – ضربَ أروعَ الأمثلةِ في قضاءِ حوائجِ الناسِ، فقد كان يتعهدُ امرأةً عمياءَ في المدينةِ يقضِي لها حاجاتِهَا سرًّا إبانَ خلافتِه للمسلمين، وكان يحلبُ لأهلِ الحيِّ أغنامَهُم، فلمَّا استخلفَ وصارَ أميرَ المؤمنين قالت جاريةٌ منهم -يعني مِن نساءِ الحيِّ- بعد أنْ صارَ أبو بكرٍ خليفةً: الآن لا يحلبُهَا. تقولُ: لقد صارَ قائدَ الدولةِ وأميرَ المؤمنين، يسيرُ الجيوشَ ويتحملُ المسئولياتِ، هل يلتفتُ إلى غنمِنَا ويحلبُهَا؟ الآن لا يحلبُهَا، فسمعَ بذلك أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه فقالَ: بلى، وإنِّي لأرجُو ألَّا يغيرنِي ما دخلتُ فيهِ عن شيءٍ كنتُ أفعلُهُ. وهذا عمرُ – رضي اللهُ عنه – كان يسعَى لخدمةِ العجزةِ والأراملِ والمقعدين وقضاءِ حوائجِهِم تطوعًا، فقد روى أبو نُعيمٍ في «حليةِ الأولياء» أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضي اللهُ تعالى عنه خرجَ في سوادِ الليلِ فرآهُ طلحةُ، فذهبَ عمرُ فدخلَ بيتًا ثم دخلَ آخرَ، فلمَّا أصبحَ طلحةُ ذهبَ إلى ذلك البيتِ فإذا بعجوزٍ عمياءَ مقعدةٍ، فقالَ لهَا: ما بالُ هذا الرجلِ يأتيكِ؟ قالت: إنَّه يتعاهدُنِي منذُ كذا وكذا يأتينِي بما يصلحُنِي، ويخرجُ عني الأذَى، فقالَ طلحةُ: ثكلتْكَ أمكَ يا طلحة، أعثراتُ عمرَ تتبعُ؟!
وهذا عثمانُ – رضي اللهُ عنه – يسعى إلى الجنةِ عن طريقِ التراحمِ والتكافلِ وقضاءِ الحوائجِ، ” فإنَّ النبيَّ ﷺ قالَ مَن يشترِي بئرَ رومةَ يوسعُ بهَا على المسلمينَ وله الجنة؟ قال: فاشتراها عثمانُ بنُ عفانَ رضي اللهُ عنه مِن يهودِيٍّ بأمرِ النبيِّ ﷺ وسبلهَا للمسلمين، وكان اليهوديُّ يبيعُ ماءَهَا. وفي الحديثِ أنَّ عثمانَ رضي اللهُ عنهُ اشترَى منهُ نصفَهَا باثنَي عشرَ ألفًا، ثم قال لليهودي اخترْ إمّا أنْ تأخذَهَا يومًا وآخذهَا يومًا وإمّا أنْ تنصبَ لك عليها دلوًا وأنصبَ عليهَا دلوًا، فاختارَ يومًا ويومًا، فكان الناسُ يستقونَ منها في يومِ عثمانَ لليومين، فقال اليهوديُّ: أفسدتَ عليَّ بئرِي فاشترِ باقيهَا، فاشتراهُ بثمانيةِ آلافٍ ” وهكذا كان الصالحون يتسابقون إلى قضاءِ الحوائجِ وفعلِ الخيراتِ؛ امثالًا لأمرِ ربِّ الأرضِ والسماواتِ.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا

