مشاهير

الكراهية: السُمّ الذي يشربه الإنسان ببطء

الكراهية: السُمّ الذي يشربه الإنسان ببطء

بقلم أحمد المصري

هناك مشاعر تأتي إلى الإنسان ثم ترحل، كالحزن العابر أو الغضب المؤقت، وهناك مشاعر أخرى لا تمرّ مرورًا عاديًا، بل تستقرّ داخل النفس كضيف ثقيل يرفض المغادرة، حتى تتحول مع الوقت إلى جزء من طريقة الإنسان في رؤية العالم.

وأخطر هذه المشاعر جميعًا هي الكراهية.

الكراهية لا تدخل القلب صاخبة كما نتخيل، بل تتسلل إليه بهدوء شديد، تبدأ بخيبة صغيرة، بإهانة، بخذلان، بجرح لم يجد من يضمده، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى ظلام داخلي.

في البداية يظن الإنسان أنه يكره شخصًا بعينه، لكنه لا يدرك أن الكراهية لا تعرف هدفًا محددًا؛ إنها مادة تتسرب إلى الروح كلها، فتفسد نظرة الإنسان للناس، للحياة، ولنفسه أيضًا.

كان هرمان هيسه يرى أن الخلاص الوحيد للإنسان هو الحب، وأن الألم الحقيقي لا يأتي من المعاناة ذاتها، بل من مقاومتنا لها بالكراهية.

فالإنسان حين يرفض جراحه بعنف، ويحاول الانتقام من العالم لأنه تألم، يتحول داخليًا إلى ساحة حرب.

إنه لا يعود يعيش حياته، بل يعيش ضدها.

ولذلك تبدو الكراهية غريبة بطبيعتها؛ فهي الشعور الوحيد الذي يَعِد صاحبه بالقوة بينما هو في الحقيقة يستنزفه بالكامل.

فالإنسان الكاره يظن أنه يعاقب الآخرين، بينما هو في الواقع يستهلك أعصابه، يفسد سلامه الداخلي، ويقضي عمره أسيرًا لما يكرهه.

ولهذا قال إريك ماريا ريمارك إن الكراهية تشبه الحوامض التي تتلف النفس.

إنها مادة كيميائية روحية، تحرق الوعاء الذي يحتويها قبل أن تصل إلى أي شخص آخر.

ولهذا نرى أن أكثر الناس امتلاءً بالكراهية ليسوا أكثرهم قوة، بل أكثرهم تعبًا.

تبدو أرواحهم وكأنها فقدت القدرة على الفرح الطبيعي، على الطمأنينة، على التسامح مع أخطاء البشر العادية.

الكراهية أيضًا تجعل الإنسان يشبه ما يكرهه دون أن ينتبه.

فالذي يكره القسوة يصبح قاسيًا، والذي يكره الظلم قد يتحول إلى ظالم، والذي يكره الكذب قد يبدأ بتبرير أكاذيبه الصغيرة انتقامًا من العالم.

وهكذا تتحول الكراهية إلى عدوى أخلاقية، لا تكتفي بإفساد المشاعر، بل تعيد تشكيل الشخصية نفسها.

ولعل أكثر ما يجعل الكراهية مأساوية هو أنها عقيمة.

كما قال نزار قباني: “الكراهية لا يمكن أن تحبل، ولا أن تلد.”

فهي لا تنتج حياة، ولا تبني علاقة، ولا تخلق معنى.

إنها شعور يستهلك الطاقة الإنسانية بالكامل دون أن يمنح مقابلًا حقيقيًا.

الحب قد يبني بيتًا، يصنع أسرة، يخلق فنًا، يغيّر إنسانًا، أما الكراهية فلا تُنتج إلا المزيد من الخراب.

ولهذا قال ليفيو ربرينو إن الإنسان لا يستطيع أن يبني فوق الحقد، لأنه كمن يبني فوق مستنقع.

فأي حياة تُبنى على الكراهية تظل مهددة بالانهيار من الداخل، مهما بدت قوية من الخارج.

حتى الأمم التي تأسست على الكراهية سقطت في النهاية، لأن النفس البشرية لا تستطيع العيش طويلًا داخل بيئة مسمومة روحيًا.

والمفارقة الأكثر قسوة أن الكراهية نادرًا ما تؤذي الشخص المكروه بالقدر الذي تؤذي به صاحبها.

قد ينام من تكرهه مطمئنًا، بينما تبقى أنت مستيقظًا تفكر فيه، تغضب منه، تعيد الحوارات القديمة في رأسك، وتستهلك أعصابك في معركة قد لا يعلم بوجودها أصلًا.

ولهذا قال مارك توين إن الكراهية لا تقتل سوى قلب صاحبها.

إن الإنسان لا يتحرر حين ينتصر على من يكرههم، بل حين يتحرر من حاجته إلى كراهيتهم أصلًا.

وهذا أصعب أنواع الانتصار؛ لأن التسامح الحقيقي لا يعني تبرير الأذى، بل يعني إنقاذ النفس من التحول إلى نسخة مشوهة بسبب ذلك الأذى.

ربما لهذا السبب يبدو الحب فعلًا فلسفيًا عظيمًا، لا مجرد عاطفة رومانسية بسيطة.

الحب في جوهره مقاومة داخلية ضد القبح، ضد الرغبة في الانتقام، ضد التحول إلى شخص فقد إنسانيته بسبب ما عاشه.

فالإنسان الذي يحمل الكراهية طويلًا، لا يكتشف متأخرًا أنه كان يكره الآخرين فقط، بل يكتشف أنه كان يهدم نفسه ببطء، حجرًا بعد حجر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى