بقلم: د. علي الدكروري.. أوروبا بين مطرقة الاستقلال وسندان العولمة: قراءة في بوصلة القارة العجوز

تواجه القارة الأوروبية اليوم مخاضاً جديداً يتجاوز الأزمات الاقتصادية المعتادة، لتجد نفسها أمام سؤال وجودي: كيف يمكن صياغة سيادة اقتصادية حقيقية دون التضحية بمكاسب الانفتاح العالمي؟
لقد وضعت الهزات الجيوسياسية الأخيرة —لا سيما في قطاعي الطاقة والإمداد— القارة أمام حقيقة قاسية؛ فالاعتماد المفرط على الخارج بات ثغرة أمنية لا يمكن تجاهلها، حيث تضطر أوروبا لاستيراد أكثر من 55% من احتياجاتها الطاقوية، وهو رقم يعكس عمق الفجوة بين الطموح والواقع.
يدرك صناع القرار في الاتحاد الأوروبي أن “الانكفاء الذاتي” ليس هو المخرج، بل قد يكون فخاً يؤدي لتراجع التنافسية. لذا، تتبلور الرؤية الأوروبية الحالية حول محورين متوازيين:
تأمين السيادة: عبر تقليل الارتهان لمصادر طاقة بعينها وإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية.
توسيع الشراكات: بناء تحالفات دولية متنوعة تمنع احتكار القرار الاقتصادي من قبل قوى كبرى.
لم يعد الاقتصاد في بروكسل يُدار بمنطق الأرقام المجردة، بل أضحى أداة سياسية بامتياز. التعامل مع أقطاب مثل الصين والولايات المتحدة بات يخضع لمنطق “الاعتماد المتوازن”؛ وهو مفهوم يسعى لامتصاص الصدمات العالمية دون الانفصال عن منظومة العولمة.
الاستقلال الذكي: هو القدرة على بناء قاعدة ذاتية صلبة، تتيح لك اختيار شركائك بمحض إرادتك، لا تحت ضغط الحاجة.
إن مستقبل أوروبا لا يتوقف على معدلات النمو فحسب، بل على براعتها في إدارة هذا التناقض المعقد. فالعالم المعاصر لا يمنح جوائزه للأكثر انغلاقاً ولا للأكثر اندفاعاً نحو الآخرين، بل للذين يتقنون فن “الاستقلال المرن” ؛ أن تعتمد على نفسك لتواجه العالم، لا لتهرب منه.