أسماء… الأخصائية التي اختارت أن ترى ما لا يراه الآخرون في عالمٍ يزدحم بالأصوات

أسماء… الأخصائية التي اختارت أن ترى ما لا يراه الآخرون
في عالمٍ يزدحم بالأصوات، اختارت “أسماء” أن تنحاز لصوتٍ مختلف… صوت الأطفال الذين لا يُسمع لهم كثيرًا، والذين يقفون على الحد الفاصل بين العالم “النمطي” والعالم “الأكثر فهمًا”.
لم تكن رحلتها تقليدية، ولا كانت بدايتها مخططة بدقة. حصلت على مجموع 92% في الثانوية العامة، وكان الحلم الأقرب آنذاك هو الكليات الطبية، لكن الطريق اتجه بها إلى كلية التربية. لم يكن القبول سهلًا، لكنها قررت منذ البداية أن تحول هذا المسار إلى نجاح مختلف، وأن تتفوق على نفسها قبل أي شيء آخر.
في سنوات الجامعة، بدأت أسماء تدريبها العملي والعمل مع الأطفال، وهناك كانت اللحظة الفارقة. طفل صغير يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) فتح أمامها بابًا جديدًا من التساؤلات: لماذا لا نفهم هذه الفئة بالشكل الصحيح؟ وكيف يمكن أن نساعدهم بطريقة علمية وإنسانية في نفس الوقت؟
من هنا، بدأ الشغف يتحول إلى مسار واضح، وبدأت القراءة والتعلم والتعمق، وصولًا إلى دراسة التربية الخاصة بشكل أوسع، ليس كعلم فقط، بل كرسالة.
تقول أسماء إن دخولها المجال لم يكن مصادفة، بل اختيارًا مبنيًا على يقين داخلي بأنه “طريقها الصحيح”. فالأطفال الذين يقعون بين التعليم العادي واحتياجات الدعم الخاص كانوا دائمًا في قلب اهتمامها، خاصة مع انتشار نقص الوعي بكيفية التعامل معهم داخل المدارس والمجتمع.
ولم يكن الدافع نظريًا فقط، بل إن التجربة الشخصية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل رؤيتها؛ إذ كانت تعرف طفلًا مصابًا بعُسر القراءة (Dyslexia)، وتأثرت حياته الدراسية والنفسية بشكل كبير بسبب عدم الفهم الكافي لحالته. تلك التجربة جعلتها أكثر إصرارًا على ألا يمر طفل آخر بنفس المعاناة.
ورغم أنها خاضت تجارب متعددة قبل استقرارها في هذا المجال، فإن التربية الخاصة كانت بالنسبة لها “رسالة” أكثر من كونها وظيفة، ومسارًا اختارته بوعي كامل.
تصف أسماء أصعب فتراتها بأنها كانت خلال الامتحانات وضغط المسؤوليات، بين التفوق الأكاديمي، والعمل مع الأطفال، والدورات التدريبية، لكنها كانت ترى في كل ذلك اختبارًا حقيقيًا للالتزام وليس مجرد عبء.
وتؤكد أنها لم تفكر يومًا في الاستسلام، لأنها اختارت هذا المجال عن قناعة، ولأن كل طفل حقق تقدمًا معها كان بمثابة دافع جديد للاستمرار.
ومن أبرز المواقف التي تركت أثرًا كبيرًا في رحلتها، حالة طفل كان يعاني من كهرباء على المخ واضطراب ADHD وصعوبات تعلم شديدة، وصلت والدته إلى مرحلة من اليأس بعد سنوات من المحاولات دون تقدم. بعد رحلة من التقييم وبناء برنامج تدريبي مناسب، حدث التحول الكبير؛ الطفل الذي كان يواجه صعوبة في الحروف أصبح يقرأ ويكتب ويتفوق دراسيًا، ليصبح من أوائل طلاب فصله، في تجربة وصفتها والدته بأنها “غير متوقعة”.
ترى أسماء أن أهم ما يميزها هو المرونة والتطوير المستمر، لأن كل طفل يحتاج إلى أسلوب مختلف، وليس قالبًا ثابتًا.
لكن رغم نجاحاتها، لا تخفي أن أكثر ما يؤلمها في هذا المجال هو “الجهل” في التعامل مع الأطفال، سواء من بعض المعلمين أو أولياء الأمور، وما يترتب عليه من أساليب خاطئة قد تصل إلى العنف أو الإيذاء النفسي، رغم أن الطفل في الأساس يحتاج فقط إلى طريقة فهم مختلفة.
ومع ذلك، فإن حب الأطفال يظل هو الوقود الحقيقي الذي يدفعها للاستمرار، إلى جانب دعوات الأمهات التي تعتبرها أعظم مكافأة.
اليوم، تعمل أسماء كأخصائية صعوبات تعلم في أحد المراكز، كما تعمل كمدربة في مجال التربية الخاصة، تساعد الطلاب على دخول المجال وتقدم كورسات تدريبية في صعوبات التعلم ولغة الإشارة.
وتحلم خلال السنوات القادمة بأن توسّع أثرها عبر مبادرتها “علّمني تربية خاصة”، التي تهدف إلى نشر الوعي وتغيير المفاهيم الخاطئة في المجتمع، بالإضافة إلى تأسيس مركزها الخاص الذي تطمح أن يكون مساحة حقيقية لنتائج فعّالة مع الأطفال، لا مجرد مكان تدريب.
وعندما تُسأل عن رسالتها، تقول ببساطة: “كل طفل يستحق حياة طبيعية”.
أما تعريفها لنفسها أمام العالم، فتلخصه في جملة واحدة: “أخصائية تسعى لنشر الوعي”.