الدكتور/ علاء المصري
الدكتور/ علاء المصري
في حوار خاص
لـ” مشاهير الشرق الأوسط “:
_ ماذا لو استخدمنا مع الطلاب المصريين استراتيجيات تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها؟
_ مركز ” فجر ” من أقدم وأفضل المراكز في مصر الخاصة بتدريس اللغة العربية للأعاجم
حوار : هايدي محسن
هل فكّرنا يومًا في أن بعض المشكلات التي يعاني منها طلابنا المصريون في تعلّم اللغة العربية قد لا يكون حلّها في المزيد من الحفظ والتلقين، وإنما في تغيير طريقة تقديم اللغة إليهم ؟
مبادرة ( عربي صحيح ) أطلقها الدكتور علاء المصري أستاذ اللغة العربية لغير الناطقين بها بمركز ” فجر ” .
_ حدثنا عن فكرة المبادرة ، من أين أتت ؟
لدينا في تدريس اللغة العربية للأجانب تسعة عشر مستوى ، كل مستوى شهر ، فالدراسة كلها تسعة عشر شهرا .
قد يندهش البعض إذا عرفوا التالي
١_ كثير من الطلاب يأتون إلى مصر لا يعرفون شيئا عن اللغة العربية .
٢_ بعد المستوى الثاني يعرف القراءة والكتابة بشكل جيد ، حتى إذا ما وصل إلى الخامس ( الشهر الخامس ) يعرفون القراءة والكتابة جدا ، ويستطيع الطالب أي يقرأ ويكتب بخط جيد جدا ويعرف خط النسخ وخط الرقعة _ في حين أنني وجدت طلابا مصريين في الثانوية العامة لا يجيدون قراءة ولا كتابة .
٣_ كما نجد الطالب بعد الشهر السابع يعرف معني الجملة الاسمية والجملة الفعلية ويستخرج المبتدأ والخبر والفعل والفاعل والمفعول به ، ويعرف أنواع الفعل ( الماضي والمضارع والأمر والمستقبل ) ويعرف حروف الجر وحروف العطف ، وإعراب الأسماء ما بين مرفوع ومنصوب ومجرور ، ويعرفون الفعل المضارع ما بين الرفع والنصب والجزم
٤_ بعدما يتم الطالب دراسة تسعة مستويات ( تسعة أشهر ) يكون قد عرف أيضا ( كان وأخواتها ) و ( إن وأخواتها ) و ( الأسماء الخمسة ) والحال والتمييز والنعت والبدل ، وغير ذلك من دروس النحو .
_ ولكن ،، هل هذا معقول ؟
هل من الطبيعي أن يتعلم الأجنبي الذي لا يعرف شيئا عن العربية كل هذا في تسعة أشهر ؟ 😳
أقول لك :
هذا في تسعة أشهر ، فما بالك كيف يكون بعد تسعة عشر شهرا ؟!
يفوق مستواه مستوى الطالب في الصف الثالث الثانوي ، ثم إني تكلمت عن جزء واحد وهو النحو ، هذا بجانب البلاغة التي يبدأ الطالب دراستها في المستوى الثامن ، والتي قد لا يتقنها الطالب في الثانوية ، بالإضافة إلى قدرته على التحدث بالعربية ، والقراءة الجيدة
يا أخي ، هذا يكون لطالب أجنبي لا يعرف شيئا عن العربية ، فما بالك بالمصري الذي نشأ متكلما بلسان عربي ؟
_ ولكن هذا أشبه بالسِّحر 🥺
ماذا تفعلون ؟😳
هذا ليس سحرا ، ثم إننا لا نفعل شيئا – بعد توفيق الله – غير أننا نستخدم إستراتيچيات التعليم بصورة جيدة ، ومهارات التعلم بصورة صحيحة ، والعرض الصحيح لمستويات اللغة ، وهذا ما نحتاج إليه في تدريسنا لطلابنا المصريين .
_ ولكن ، هل طريقة التدريس هذه ، وتلك الإستراتيچيات وضعها مركز فجر باعتباره متميزا في ذلك المجال ، أم هو استخدام خاص بك مع الطلاب ؟
مركز ” فجر ” من أقدم وأفضل المراكز في مصر الخاصة بتدريس اللغة العربية للأعاجم ، ما ذكرته من حسن استخدام للإستراتيچيات ومستويات اللغة والجمع الحسن بين المهارات الأربعة ( استماع ، تحدث ، قراءة ، كتابة ) إنما هي نظام تلك المؤسسة وليس نظاما من بنات أفكاري ، فلقد ذكرت لكم آنفا أن فكرة المبادرة هي تطبيق تلك الإستراتيچيات المتبعة في تدريس اللغة العربية للأعاجم على الطلاب المصريين ، وليس تطبيق فكرة من ابتكاري أو وليدة فكري
_ ولكن ، قد تبدو للوهلة الأولى فكرة استخدام استراتيجيات تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها مع الطلاب المصريين غريبة؛ فالطالب المصري عربيّ اللسان، يسمع العربية منذ طفولته، ويتعامل معها يوميًا.
نعم ، ولكن عند التأمل نجد أن هناك فرقًا كبيرًا بين امتلاك اللغة بصورة فطرية أو عامية وبين امتلاك القدرة على استخدامها استخدامًا فصيحًا واعيًا في القراءة والكتابة والتحدث والتعبير.
وأعلم أنه قد يغضب بعض الزلاء من معلمي اللغة العربية إذا قلت بأن البعض منهم لا يمتلك أو لا يستخدم إستراتيچيات التدريس الكافية ويعتمد على النمط التقليدية في التدريس ، فلا يستطيع كسر الروتين الذي يشعر به الطالب ، ومن ثم لا يشعر الطالب بأي متعة في التعلم ، فيخرج في النهاية بمحصلة مقدارها ( صفر ) ، أو يكون تعلمه للغة مجرد روتين بلا شغف أو متعة
ومن هنا تظهر فكرة تستحق التجربة:
«ماذا لو تعاملنا مع الطالب المصري في بعض جوانب تعليم العربية كما نتعامل مع متعلم العربية من غير الناطقين بها؟ ، وماذا لو زملاؤنا من معلمي اللغة العربية اطلعوا على الإستراتيچيات التي نستخدمها في تدريس اللغة العربية للأجانب ؟؟ »
_ لماذا قد نحتاج إلى هذه الفكرة؟
الطالب المصري لا يبدأ تعلم العربية من الصفر؛ فهو يمتلك رصيدًا لغويًا كبيرًا من خلال اللهجة المصرية والاستماع والممارسة اليومية. لكنه قد يواجه صعوبة عندما ينتقل إلى العربية الفصحى، خصوصًا في النحو والصرف والإعراب والقراءة والتعبير.
فقد يعرف الطالب معنى كلمة معينة، لكنه لا يعرف كيفية توظيفها في جملة فصيحة.
وقد يستطيع التحدث بطلاقة باللهجة العامية، لكنه يتردد عندما يُطلب منه أن يتحدث بالفصحى.
وقد يحفظ قاعدة نحوية، لكنه لا يستطيع استخدامها بصورة صحيحة عندما يقرأ نصًا أو يكتب فقرة.
وهنا يمكن أن نستفيد من بعض مبادئ تعليم العربية لغير الناطقين بها، لا لأن الطالب المصري “أجنبي عن العربية”، وإنما لأن بعض مهارات الفصحى تحتاج إلى تدريب لغوي عملي يشبه تدريب متعلم اللغة الجديدة.
_ أرى أن هذا سيكون جيدا ؛ لأنه سينقل الطالب من مرحلة الحفظ إلى الاستخدام .
أحسنتِ ، فمن أبرز ما يمكن الاستفادة منه هو الانتقال من تعليم القاعدة باعتبارها معلومة يجب حفظها، إلى تعليمها باعتبارها أداة لاستخدام اللغة.
فبدلًا من أن نقول للطالب:
“الفاعل اسم مرفوع يأتي بعد الفعل المبني للمعلوم…”
ثم نطالبه بحفظ التعريف؛ يمكن أن نبدأ بجمل بسيطة:
كتبَ الطالبُ الدرسَ.
قرأَ محمدٌ الكتابَ.
نجحَ المجتهدُ.
ثم نسأل
من الذي كتب؟
من الذي قرأ؟
من الذي نجح؟
وبعد أن يكتشف الطالب النمط بنفسه، ننتقل إلى المصطلح:
هذا يسمى فاعلًا، وحكمه الرفع.
بهذه الطريقة تصبح القاعدة نتيجة لممارسة لغوية، وليست مجرد تعريف محفوظ.
ومن الاستراتيجيات المهمة في تعليم اللغات التركيز على الاستماع قبل مطالبة المتعلم بالإنتاج والتحليل.
ويمكن تطبيق ذلك مع الطالب المصري أيضًا.
فمثلًا، قبل درس “أسلوب الشرط”، يمكن للمعلم أن يقدم مجموعة من الجمل المسموعة:
إن تجتهدْ تنجحْ.
من يزرعْ يحصدْ.
مَن يجتهدْ يحققْ هدفه.
ثم يطلب من الطلاب الاستماع والترديد، وبعد ذلك يوجههم إلى اكتشاف العلاقة بين أجزاء الجملة.
وهنا لا يصبح الطالب متلقيًا سلبيًا، بل يتحول إلى ملاحظ ومستكشف للنظام اللغوي.
_ ماذا عن الصورة والموقف والمصطلح ؟
من الوسائل الفعالة في تعليم العربية لغير الناطقين بها ربط الكلمات والتراكيب بالمواقف والصور
ولماذا لا نستفيد من ذلك مع طلابنا؟
إذا أردنا تعليم كلمات مثل:
ذهب – عاد – جلس – وقف – فتح – أغلق
يمكن للمعلم أن يستخدم صورة أو حركة أو موقفًا حقيقيًا، ثم يجعل الطالب يربط الكلمة بالفعل الذي يراه.
وبعد ذلك يمكن الانتقال إلى التراكيب:
ذهبَ الطالبُ إلى المدرسة.
عادَ الطالبُ من المدرسة.
جلسَ الطالبُ على الكرسي.
ثم نبدأ في تحليل الجملة نحويًا.
بهذه الطريقة يصبح النحو مرتبطًا بالحياة، وليس مجموعة من المصطلحات المجردة.
_ ولكن ، هل لابد من استخدام الفصحى داخل الفصل ؟
من أهم الأفكار التي يمكن تطبيقها: زيادة استخدام العربية الفصحى في التواصل داخل الفصل.
ليس المقصود أن يتحدث المعلم بالفصحى المعقدة التي قد تربك الطلاب، وإنما استخدام فصحى واضحة وبسيطة:
افتح الكتاب.
اقرأ الجملة.
استمع جيدًا.
أعد الجملة.
مَن يجيب؟
لماذا اخترت هذه الإجابة؟
هل تستطيع أن تعطيني مثالًا آخر؟
ومع التكرار تصبح هذه التراكيب جزءًا من البيئة اللغوية للطالب.
_ في هذه المبادرة أو تلك الإستراتيچيات ، هل يعد التكرار عيبًا ؟
لا ، فمن الأخطاء التي قد نقع فيها أننا نقدم المعلومة مرة واحدة، ثم ننتقل إلى معلومة جديدة.
أما في تعليم اللغات، فالتكرار المتنوع عنصر مهم في تثبيت المفردات والتراكيب.
لكن المقصود ليس تكرار الجملة نفسها عشر مرات، وإنما إعادة استخدامها في مواقف مختلفة.
مثلًا، عند تعليم كلمة “يستطيع”:
يستطيعُ الطالبُ أن يقرأ.
يستطيعُ محمدٌ أن يكتب.
هل تستطيعُ أن تجيب؟
مَن يستطيعُ حلَّ السؤال؟
هنا يتكرر التركيب، لكن في سياقات مختلفة، فيكتسب الطالب القدرة على استخدامه بصورة طبيعية.
_ وهل سيكون الحوار بديلا عن السؤال التقليدي ؟
نعم ، فبدلًا من أن يكون درس اللغة عبارة عن:
المعلم يسأل،
والطالب يجيب،
ثم ينتقل المعلم إلى سؤال آخر،
يمكن تحويل جزء من الدرس إلى حوار لغوي.
مثلًا:
المعلم: ماذا فعلتَ صباحًا؟
الطالب: ذهبتُ إلى المدرسة.
المعلم: وكيف ذهبتَ؟
الطالب: ذهبتُ بالحافلة.
المعلم: وماذا فعلتَ في المدرسة؟
الطالب: درستُ اللغة العربية.
ثم يستطيع المعلم استخراج الأفعال والتراكيب وحروف الجر من الحوار نفسه.
وهنا يتعلم الطالب اللغة وهو يستخدمها.
_ يدور في رأسي سؤال هام جدا :
ماذا سيحدث للنحو؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم
هل يعني تطبيق استراتيجيات تعليم العربية لغير الناطقين بها إلغاء النحو؟ بالتأكيد لا.
بل يمكن أن يؤدي إلى جعل النحو أكثر ارتباطًا بالاستخدام.
فالطالب لا يتعلم أن “حروف الجر تجر الاسم” فقط، بل يسمع ويقرأ ويستخدم:
ذهبتُ إلى المدرسة.
جلستُ في الفصل.
خرجتُ من المنزل.
مررتُ على المعلم.
ثم يأتي التحليل:
إلى: حرف جر.
المدرسة: اسم مجرور.
وهكذا يصبح الإعراب تفسيرًا لما يستخدمه الطالب بالفعل.
تاسعًا: الاستفادة من استراتيجية “المواقف اللغوية”
يمكن تصميم درس كامل حول موقف واحد.
مثلًا: في المطعم.
يتعلم الطالب:
أريد أن أطلب…
كم السعر؟
أريد كوبًا من الماء.
هل يمكن أن أحصل على…؟
ثم يمكن للمعلم أن يستخرج من الموقف:
الأسماء، والأفعال، وحروف الجر، وأساليب الطلب، والمفرد والمثنى والجمع، وغيرها.
وفي درس آخر يمكن اختيار موقف:
في المدرسة – في المكتبة – في المستشفى – في المطار – في المنزل.
وبذلك تصبح اللغة مرتبطة بسياقات حقيقية.
عاشرًا: هل نعامل الطالب المصري كأنه أجنبي؟
بالطبع لا.
وهذه نقطة جوهرية.
المقصود ليس تجاهل الخلفية اللغوية والثقافية للطالب المصري، ولا البدء معه من الحروف والكلمات الأساسية وكأنه لا يعرف العربية.
بل المقصود هو استعارة الأدوات والاستراتيجيات الناجحة في تعليم اللغة الثانية، وتوظيفها بما يناسب الطالب العربي.
فالطالب المصري يمتلك ثروة لغوية هائلة يمكن البناء عليها، لكن المطلوب هو مساعدته على الانتقال من:
اللغة التي يسمعها ويستخدمها تلقائيًا
إلى:
اللغة الفصيحة التي يستطيع فهمها وتحليلها وإنتاجها بوعي.
_ في النهاية…
هل قمت بتطبيق ذلك ؟
والله العظيم ، لقد قابلت طلابا في الثانوية لا يعرفون شيئا عن النحو ، وقمت بتطبيق هذا الفكرة معهم ، وبعد ثلاث ساعات ونص أعطيتهم فقرة ليقوموا بإعرابها ، وقاموا بإعراب حوالي خمس وعشرين كلمة .
ربما لا تكون المشكلة دائمًا في أن طلابنا لا يعرفون النحو العربي ، وإنما في الطريقة التي نقدم بها العربية إليهم.
لقد اعتدنا في كثير من الأحيان أن نبدأ بالقاعدة، ثم نبحث عن مثال يشرحها.
وربما حان الوقت أحيانًا لأن نعكس المعادلة:
موقف → استماع → ملاحظة → استخدام → اكتشاف → قاعدة → تدريب.
فإذا نجحنا في جعل الطالب يسمع العربية الفصحى، ويتحدث بها، ويقرأها، ويستخدمها في مواقف متنوعة، ثم يكتشف قواعدها من خلال هذا الاستخدام؛ فقد نصل إلى مرحلة يصبح فيها النحو بالنسبة إليه لغةً حيةً وليست مادةً للحفظ فقط.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا :
«كيف نجعل الطالب المصري يكتشف العربية الفصحى وكأنه يكتشفها من جديد؟»
وليس :
هل الطلاب المصريون يحتاجون إلى تعلم العربية من جديد؟
وهنا تحديدًا يمكن أن تمنحنا استراتيجيات تعليم العربية لغير الناطقين بها أفكارًا تربوية جديرة بالتجربة والتطوير
