قبضةٌ خشنةٌ تقبّلها السماء : كيف صنعت الرحمة النبوية كرامة العمال .. ؟

قبضةٌ خشنةٌ تقبّلها السماء : كيف صنعت الرحمة النبوية كرامة العمال .. ؟
بقلم : معاذ حسين محمد
في ذكرى مولد المصطفى ﷺ ، لا نحتفي فقط بنبي حمل الهدى إلى العالم ، بل برجلٍ أقام أعظم منظومة للإنسانية والعدالة الاجتماعية عرفها التاريخ . ففي زمنٍ كانت فيه الطبقية هي الحاكمة، والعمال يُستغلون أشد استغلال، جاء النبي ﷺ ليرسي قواعد جديدة جعلت من “العامل” ركناً مكرمًا في المجتمع، وصاحب مكانة إيمانية وإنسانية سامية .
لقد نسخ النظرة الدنيوية لمن يكدحون بأيديهم، وألبسهم أبهى حُلل الفخر والإجلال، مؤكدًا أن أنبياء الله ورسله كانوا أرباب حرف .. ؛ فآدم كان حراثًا، وداود كان حدادًا، وهو نفسه ﷺ رعى الغنم واشتغل بالتجارة، ليعلم الأمة أن شرف المرء في كسب يده .
تخيل ذلك المشهد النبوي العظيم، حين يرى المصطفى ﷺ يدًا أثرت فيها الخشونة من عرق الكدّ والعمل، فلا يعرض عنها، بل يرفع من شأنها ليقول لأصحابه: ” هَذِهِ يَدٌ يُحِبُّهَا اللهُ وَرَسُولُهُ “.
في تلك اللحظة بالذات، انقلبت موازين الأرض، فلم يعد الشرف بالنَسَب ولا بالمال، بل بقيمة ما تقدمه الأيدي الكادحة .
كان ﷺ يحمل بين أضلعه قلبًا يرتجف خوفًا على العمال والخدم، يخشى عليهم مشقة الطريق ومرارة الاحتياج . لم يكن يراهم أجراء يستنزفهم العمل، بل إخوانًا تسوقهم المقادير ليكونوا تحت يد أرباب العمل؛ لذا قالها مدوية في أذن التاريخ : ” إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ”
لقد أرسى النبي ﷺ قاعدة اقتصادية وإنسانية صارمة لحماية الحقوق، فجعل من تأخير الأجر جريمة يخاصم الله صاحبها يوم القيامة، حين أعلن بوضوح : ” أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ” .
وعندما نسبر غور بيته الشريف ، نجد الممارسة العملية تتجلى في أبهى صورها؛ فهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يخدمه عشر سنين، يقول عنها : ” خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلاَ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلاَ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟ ” . إنها أخلاق العظمة التي تتجاوز مجرد القوانين إلى سمو الروح والرفق.
إن ذكرى مولده ﷺ هي دعوة حية ومستمرة لتذكر أن بناء الأوطان لا يتم إلا باليد التي تبني والساعد الذي يحفر . لقد علّمنا الهادي البشير أن عرق العامل أطهر وأزكى من أن يُستهان به، وأن العدل والرحمة بالعمال ليسا مجرد شعارات، بل هما منهج نبوي أصيل وبابٌ واسع من أبواب محبة الله ورسوله ..
بقلم : معاذ حسين محمد أحمد
مفتش بوزارة العمل المصرية