( أنا خير ولد آدم ولا فخر )

( أنا خير ولد آدم ولا فخر )
بقلم الشيخ خالد حسن
اخد علماء الأزهر الشريف
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..
لقد اختار الحق تبارك وتعالى سيدنا محمدا – صلى الله عليه وسلم- لرسالته العاملة الشاملة الباقية إلى أن تقوم الساعة ، وفضله على سائر خلقه وجعله خاتم النبيين وسيد المرسلين ، لذلك كان يوم مولده نورا شهده العالم كله، لقد كانَ ميلادُ الرسولِ ﷺ ميلادُ نورٍ وخيرٍ وبركةٍ، وهذا النورُ لم يكنْ معنويًّا فقط، بل كانَ نورًا حسيًّا رآهُ كلُّ الناسِ على السواءِ، ففِي ليلةِ مولدِهِ ﷺ رأتْ أُمُّهُ نورًا خرجَ منهَا أضاءَ لهَا قصورَ الشامِ، وقد سُئِلَ ﷺ عن نفسِهِ فقالَ:” أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ”.(سيرة ابن هشام). يقولُ ابنُ رجبٍ:” وخروجُ هذا النورِ عندَ وضعِهِ إشارةٌ إلى ما يجيءُ بهِ مِن النورٍ الذي اهتدَى بهِ أهلُ الأرضِ وأزالَ بهِ ظلمةَ الشركِ، قالَ تعالَى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}(المائدة: 15)، وقالَ تعالَى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الأعراف:157) “. (لطائفُ المعارف). ولقد شاهدَتْ اليهودُ هذا النورَ الذي عمَّ الكونَ كلَّهُ، فعَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: إِنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، أَعْقِلُ كلّما رَأَيْتُ وَسَمِعْتُ، إِذَا يَهُودِيٌّ بِيَثْرِبَ يَصْرُخُ ذَاتَ غَدَاةٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ. قَالُوا: ويلك مالك؟ قَالَ: طَلَعَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.” ( دلائل النبوة للبيهقي ). وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: قَالَ لِي حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ:” قَدْ خَرَجَ فِي بَلَدِكَ نَبِيٌّ، أَوْ هُوَ خَارِجٌ، قَدْ خَرَجَ نَجْمُهُ، فَارْجِعْ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ ” .( السيرة النبوية لابن كثير ). فقد طيّبَ اللهُ تعالَى نسبَ نبيِّهِ ﷺ في وقتٍ قد انتشرتْ فيهِ الرذيلةُ، وحفظَ اللهُ تعالَى نسمتَهُ الطاهرةَ فجاءتْ مِن نكاحٍ ولم تأتِ مِن سفاحٍ، وفي ذلك يقولُ ﷺ:” خَرجْتُ مِن نِكاحٍ، ولَمْ أخْرجْ من سِفاحٍ، من لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأمِّي، لم يُصبْنِي من سِفاحِ الجاهِليةِ شيءٌ”(الطبراني بسند حسن).
فقد اصطفَاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِن خيرةِ البيوتاتِ والقبائلِ والآباءِ والأمهاتِ، فعن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:” إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ”. (مسلم). فكان النبيُّ ﷺ خيارًا مِن خيارٍ مِن خيارٍ، وأعلاهُم وأشرفَهُم نسبًا.
فالنبيُّ ﷺ كان يتقلبُ في أصلابِ الأطهارِ الأشرافِ، قال ابنُ عباسٍ رضي اللهُ تعالى عنهُمَا في قولهِ تعالَى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين }( الشعراء: 219)، مِن صُلبِ نبيٍّ إلى صُلبِ نبيٍّ حتى صرتَ نبيًّا.” ( تفسيرُ ابنِ كثير)؛ وعن عطاءٍ قال: «ما زالَ نبيُّ اللهِ ﷺ يتقلبُ في أصلابِ الأنبياءِ حتى ولدتْهُ أُمُّه» وكمَا اختارَ اللهُ له نسبَهُ فقد كرَّمَهُ اللهُ باختيارِ اسمهِ ( مُحمد ) ليكونَ محمودًا في الأرضِ وفي السماءِ، وحسبكَ أنَّ الأسماءَ في ذلكَ الوقتِ كانت عبدَ الكعبةِ وعبدَ ياغوثٍ، وصخرَ، وحربَ، ومرةَ، وغيرَ ذلك، وتخيلْ لو نزلتْ عليهِ الرسالةُ وهو يحملُ اسمًا مِن تلك الأسماءِ. إنَّ البركةَ قد حلَّتْ على كلِّ شبرٍ مِن الأرضِ وطأتهَا قدمُ المولودِ الجديدِ محمدٍ ﷺ. تُصورُ ذلكَ مرضعتُهُ حليمةُ السعديةُ في قولِهَا:” لَمَّا أَخَذْتُهُ، رَجَعْتُ بِهِ إلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقَبْلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، ثُمَّ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إنَّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. قَالَتْ: يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تَعَلَّمِي وَاَللَّهِ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أَخَذْتُ نَسَمَةً مُبَارَكَةً”. فقد حفظَ اللهُ تعالَى نبيَّهُ ﷺ مِن أفعالِ الجاهليةِ القبيحةِ فلم يصبْهُ منهَا شيءٌ، وفي ذلكَ يقولُ ﷺ : ” مَا هَمَمْتُ بِقَبِيحٍ مِمَّا يَهُمُّ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ … حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِنُبُوَّتِهِ “.( ابن حبان والحاكم وصححه ). فكان ﷺ لا يأكلُ ما ذُبِحَ على النُّصبِ، وحرّمَ شربَ الخمرِ على نفسِهِ مع شيوعِهِ في قومِهِ شيوعًا عظيمًا، وذلكَ كلُّهُ مِن الصفاتِ التي يُحلّى اللهُ بهَا أنبياءَهُ ليكونُوا على تمامِ الاستعدادِ لتلقِّى وحيهِ، فهُم معصومُون مِن الأدناسِ قبلَ النبوةِ وبعدَهَا، أمَّا قبلَ النبوةِ فليتأهلُوا للأمرِ العظيمِ الذي سيُسنَدُ إليهِم، وأمَّا بعدَهَا فليكونُوا قدوةً لأممِهِم، عليهِم مِن اللهِ أفضلُ الصلواتِ وأتمُّ التسليمات . حفظه الله تعالى لمكانة ما بعدها مكانة تلك المكانة الخالدة في ذكره فإذَا ذُكِرَ اسمُ اللهِ ذُكِرَ معهُ اسمُ نبيِّهِ ﷺ، وقَرنَ اللهُ اسمَهُ باسمِهِ إلى قيامِ الساعةِ، فلا يقولُ قائلٌ: لا إلهَ إلّا الله، إلّا ويقولُ: مُحمدٌ رسولُ اللهِ، قالَ تعالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} “قالَ قتادةُ: رفعَ اللهُ ذكرَهُ في الدنيا والآخرةِ، فليسَ هناكَ خطيبٌ ولا مستشهدٌ ولا صاحبُ صلاةٍ إلّا يقولُ: أشهدُ أن لا إلَهَ إلّا الله، وأنَّ مُحمدًا رسولُ اللهِ. وقالَ مُجاهدٌ {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أي: لا أُذكَرُ إلّا ذُكِرتَ معِي، ومِن مناجاةِ رسولِ اللهِ لربِّهِ: يا رب، إنّهُ لم يكنْ نبيٌّ قبلِي إلَّا وقد كرمتَهُ وجعلتَ إبراهيمَ خليلًا وموسَى كليمًا وسخرتَ لداودَ الجبالَ، ولسليمانَ الريحَ والشياطينَ، وأحييتَ لعيسَى الموتَى فمَا جعلتَ لِي؟! فقالَ: أوليسَ قد أعطيتُكَ أفضلَ مِن ذلكَ كلِّهِ إنِّي لا أُذكَرُ إلَّا ذُكرْتَ معِي.” وهكذَا كانت منزلةُ ومكانةُ الرسولِ ﷺ بينَ أمّتِهِ، حيثُ كان الاصطفاءُ والإعدادُ والعصمةُ مِن أفعالِ الجاهليةِ، والمشاركاتُ الاجتماعيةُ، وكلُّ هذه دروسٌ يجبُ علينَا أنْ نغرسَهَا في أولادِنَا، احتفاءً واحتفالًا بصاحبِ الذكرَى ﷺ.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.




