الشيخ خالد حسن يكتب : ( لا يسخر قوم من قوم)

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وبعد ..
لقد كفل الإسلام الحفاظ على المشاعر وحذر من السخرية التي قد تؤذي من يُسخر منه ، ودعا إلى القيمِ والأخلاقِ الفاضلةِ، ونهى عن سيِّئِ الأخلاقِ، ومن أهمِّ الظواهرِ الاجتماعيةِ المعاصرةِ التي ينهى عنها الشارعُ الحكيمُ: ( ظاهرة السخرية أو التنمر ) وقد جمعَ اللهُ معظمَ صفاتِ التنمُّرِ في قولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. (الحجرات: 11). يقولُ ابنُ كثيرٍ” الآيةُ تنهَى عن الاستهزاءِ بالآخرينَ أو إهانتِهِم، كما تنهَى الآيةُ عن لمزِ الناسِ، بأنْ نقولَ لهُم ما يُهينُهُم، أو يُحقّرُهُم ويصغّرُهُم، وتنهَى أيضًا عن التنابزِ بالألقابِ، فلا يجوزُ مناداةُ الأشخاصِ بأسماءٍ، أو صفاتٍ سيئةٍ يكرهونَ سماعَهَا”. وظاهرةُ التنمُّرِ قديمةٌ متجددةٌ عبرَ العصورِ والقرونِ، من لدنِ آدمَ عليهِ السلامُ إلى يومِنا هذا، فهذا قابيلُ تنمَّرَ على أخيهِ هابيلَ، فحسدَهُ، وتوعَّدَهُ بالقتلِ -كما قصَّ علينا القرآنُ الكريمُ- فقتلَهُ. وفي ذلكَ يقولُ ﷺ: «لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ». (متفقٌ عليهِ).
كذلكَ تنمَّرَ إخوةُ يوسفَ عليهِ السلامُ، فتنكَّروا لهُ بعدما رأوا حبَّ أبيهِ لهُ، وعزموا على التخلصِ منهُ. قالَ تعالى: {إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ}. (يوسف: 8، 9). كذلك تنمَّرَ المنافقونَ – في عهدِ الرسولِ ﷺ- باللمزِ مِن المتصدقينَ المقلينَ منهُم والمكثرين. فعن أبي مسعودٍ قال: لمَّا نزلتْ آيةُ الصدقةِ كُنَّا نتحاملُ على ظهورِنَا، فجاءَ عبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ فتصدّقَ بشيءٍ كثيرٍ، فقالُوا: مُرائِي. وجاءَ رجلٌ اسمُهُ ( أبو عقيل ) فتصدَّقَ بصاعٍ، فقالوا: إنَّ اللهَ لغنيٌّ عن صدقةِ هذا الصعلوكِ. فنزلتْ {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ( التوبة: 79). ولكي نتصدى لتلك الظاهرة علينا باتباع الآتي حتى يكون الأمر سهل المنال منه :
أولا : الاهتمامُ بتعليمِ الأبناءِ طرقِ مواجهةِ التنمُّرِ: حتى يتمكنُوا مِن الدفاعِ عن أنفسِهِم ضدَّ التنمُّرِ ومواجهةِ الأشخاصِ المتنمّرينَ، بطرقٍ شرعيةٍ دونَ إساءةٍ أو سبٍّ أو تجريحٍ، وهذا ما بيّنَهُ الرسولُ ﷺ للسيدةِ عائشةَ رضي اللهُ عنها حينمَا تنمَّرَ عليهِ اليهودُ، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا عَائِشَةُ «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ».
ثانيا : التحذيرُ والبعدُ عن سيءِ الأخلاقِ: فقد نهانَا الرسولُ ﷺ عن جميعِ الصفاتِ التي تُؤدِّي إلى التنمُّرِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»
ثالثا : الحثُّ على سلامةِ اليدِ واللسانِ: فعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». (متفق عليه). يقول ابنُ رجبٍ: ” يقتضِي حصرُ المسلمِ فيمَن سلمَ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ، والمرادُ بذلك المسلمُ الكاملُ الإسلام، فمَن لم يسلمْ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ فإنَّهُ ينتفِي عنه كمالُ الإسلامِ الواجب، فإنَّ سلامةَ المسلمينَ مِن لسانِ العبدِ ويدهِ واجبةٌ، فإنَّ أذَى المسلمِ حرامٌ باللسانِ وباليدِ، فأذَى اليدِ: الفعلُ، وأذَى اللسانِ: القولُ.”
رابعا : تنشئةُ الأفرادِ على المساواةِ: وعدمِ التفرقةِ العنصريةِ بينَ الأفرادِ؛ لأنَّ ذلك مِن أفعالِ الجاهليةِ، فعَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». (متفق عليه). يقولُ الإمامُ ابنُ حجرٍ:” فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرَّقِيقِ وَتَعْيِيرِهِمْ بِمَنْ وَلَدَهُمْ، وَالْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَيَلْتَحِقُ بِالرَّقِيقِ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَغَيْرِهِ. وَفِيهِ عَدَمُ التَّرَفُّعِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالِاحْتِقَارِ لَهُ.”
وهكذا بالأخلاقِ الحسنةِ واتباعِ أوامرِ القرآنِ والسنةِ، نقضِى على التنمُّرِ والسخريةِ، ويعيشُ الجميعُ في محبةٍ وإخاءٍ.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا

