قلم السلام حمدي قنديل ميثاق الجوار.. بين أمان الاستخلاف ووعيد الغدر .

قلم السلام حمدي قنديل
ميثاق الجوار.. بين أمان الاستخلاف ووعيد الغدر
تُعد العلاقة بين الجيران في المنظور الأخلاقي والشرعي هي الدائرة اللصيقة التي تمثل خط الدفاع الأول عن أمن الفرد واستقراره، فالجار هو المؤتمن على العورات، والمطلع على الثغرات، والملجأ عند النكبات. وإذا كان الأصل في الجار أن يكون منطقة الأمان، فإن الجار المؤذي والشرير يمثل اختلالاً في الفطرة الإنسانية، فهو يشبه جهاز المناعة الذي يهاجم الجسد بدلاً من حمايته، أو كالحارس الذي يتحول إلى عدو، مما يجعل الغدر في هذه الحالة جريمة مضاعفة لأن الأمان مفقود من حيث يُرتجى.
لقد قرن الله عز وجل الإحسان للجار بعبادته وتوحيده، مما يرفع رتبة هذا الحق إلى مقام العادة، حيث تشمل مراتب الجوار الجار ذي القربى والجار الجنب، لتتسع دائرة الإحسان وتشمل القريب والغريب على حد سواء. وقد بلغ من تعظيم هذا الحق أن الوحي جعل جبريل عليه السلام يواصل الوصية بالجار حتى ظن النبي ﷺ أنه سيورثه، مما يشير إلى أن الجار كاد أن يصبح فرداً من العائلة يستحق الميراث لشدة الاتصال والأمان المفترض.
وفي المقابل، جاء التحذير والوعيد الشديد ضد الجار المؤذي، حيث نفى النبي ﷺ كمال الإيمان صراحة عمن لا يأمن جاره شروره وغدره، وأكدت السنة المطهرة أن الإكثار من العبادات من صلاة وصيام لا ينفع صاحبه إذا كان مسيئاً لجيرانه، بل إن مصير هذا المؤذي هو الخسران المبين. فالجار يرى من جاره ما لا يراه غيره، فإذا أفشى سراً أو تتبع عورة أو استغل القرب للاعتداء، فقد خان أمانة المساكنة وارتكب ذنباً جعل الشارع يغلظ عقوبته بما يفوق الاعتداء على الأجانب بمرات عديدة.
إن الجار الشرير هو “بلاء مقيم” يهدد الاستقرار النفسي ويهدم السكينة داخل البيوت، فإذا كان الجار غادراً تحول السكن إلى سجن، وأصبح الإنسان قلقاً في داره التي هي محل سكنه وراحته. ولذلك استعاذ النبي ﷺ من جار السوء في دار المقامة، لأن أذاه يتسلل عبر الجدران والمواقف اليومية، ويحول المودة المفترضة إلى حذر دائم وخوف متربص.
ويبقى اختيار المضمون في التعامل مع الناس هو المعيار الحقيقي، فالجار قبل الدار، وجودة الحياة لا تقاس بفخامة الجدران بل بنقاء من يسكن بجوارك. إن الجار المؤذي هو ثغرة يدخل منها الخلل لهدم المجتمع، وهو مطرود من رحمة القلوب قبل أن يكون معاقباً في الآخرة، فلا يذكره الناس إلا بالشر، ولا يجدون الخلاص منه إلا بالفرار أو الصبر الجميل.
قلم السلام حمدي قنديل